عرض مشاركة مفردة
  #9  
قديم 29/06/2006, 10:49 PM
صورة لـ محمد عيد العريمي
محمد عيد العريمي
ضيف
 
الفصل الثالث

جاءت جهود الحيوانات وعملها الشاق في الحصاد مردو طيب، فقد أعطت الحقول غلة أكبر مما توقع خير المتفائلين. وعلى الرغم من المصاعب الكثيرة التي واجهتها في استعمال الأدوات المصممة أصلا لاستخدام الإنسان، إلا أن الخنازير كانت دائما تجد الحل المناسب لكل معضلة وتزيل العقبات التي تعترض سير العمل.

ونظرا لمعرفتها بكل شبر من الأرض وطبيعة فلاحة المزرعة، ساهمت الخيول على نحو أكثر فاعلية في إنجاز العمل على أكمل وجه، والحقيقة أنها كانت أمهر من جونز ورجاله في جز العشب وتسوية التربة. وكان متوقعا أن تنأى الخنازير بنفسها عن الأعمال البدنية وتضطلع بزمام القيادة والإشراف على الآخرين لتفوقها العقلي على سائر الحيوانات وعلمها بأمور كثيرة يجهلها الآخرون!

وقد بذل بوكسر وكلوفر، خلال موسم الحصاد، جهدا إضافيا.. لاسيما على الة الجز ومعدات تقليب التراب، وعملا بإخلاص ومن دون كلل ممتثلين لأوامر الخنزير الذي كان يمشى خلفهما ويصرخ بين الفينة والأخرى: "حا يا رفيق" أو "قف يا رفيق" حسب مقتضى الحال.

أظهرت الحيوانات من دون استثناء حماسا منقطع النظير لإنجاز الحصاد قبل موعده، وسعى حتى اضعفها لتحقيق ذلك الهدف، وفي نهاية المطاف أكملت الحيوانات حصد الحقل في فتره أقل بيومين من المدة التي يستغرقها عادة جونز ورجاله وكانت الغلة أكثر من المعتاد ايضا!
* * *
سار العمل خلال فصل الصيف بانتظام ومثابرة.. شعرت خلاله الحيوانات بسعادة غامرة؛ فكل لقمة طعام تعطي آكلها مذاق الرفاهية ولذة العيش. وقد توفر الغذاء بعد طرد جونز المستبد، وغدا يفي حاجة سكان المزرعة واكثر، وعلاوة على ذلك كان للحيوانات حرية التمتع بأوقات فراغها.

كان متوقعا بسبب حداثة التجربة أن تواجه الحيوانات بعض المصاعب في ادارة عمل المزرعة وتنفيذه، ولكن بفضل حذاقة الخنازير معززة بقوة عضلات بوكسر، كانت الحيوانات تجد الحل المناسب لكل صعوبة تحول دون انجاز العمل.

غدا بوكسر محط إعجاب الجميع. لقد عُرف عنه، منذ عهد جونز، بقوة الاحتمال، بيد أنه صار بعد قيام الثورة بقوة ثلاثة خيول. وثمة أيام بدت وكأن أعمال المزرعة كلها ملقاة على كاهله.. كان يشاهد منذ الصباح وحتى المساء يسحب هنا ويدفع هناك، وكان موجوداً حيثما تستدعي الحاجة قوته الجبارة. وقد اتفق مع ديك لإيقاضة مبكرا نصف ساعة قبل الحيوانات الاخرى، وتبنى حكمة خاصة به "سأعمل بجهد أكبر".. جواباً لكل معضلة أو نكسة تواجهها الحيوانات.
* * *
لم تدخر الحيوانات جهداً في سبيل نجاح مبادئ الثورة وترسيخها، فعمل كل بحسب قدرته. فقد استطاع الدجاج والبط، على سبيل المثال، جمع خمسة "بوشلات" من الذرة التي كانت تسقط على الأرض أثناء الحصاد أو خلال نقلها الى المخازن.

ولقد تخلصت الحيوانات من عادات سيئة كانت تكثر من ممارستها إبان عهد جونز. فلا أحد يسرق أو يتذمر من طعامه، ولا يستبد حيوان بحيوان آخر أو يشعر بالغيرة منه، ولا أحد يتهاون في أداء مسؤولياته عدا المهر البيضاء مولي التي كانت آخر من يصل إلى موقع العمل وأول من ينصرف منه، كما لوحظ اختفاء القطة، التي أخذت تدور حولها الشبهات، عن الأنظار أثناء ساعات العمل، وتظهر أوقات توزيع حصص الطعام أو بعد انتهاء العمل.

بيد أن قيام الثورة وما طرأ على المزرعة من تغيير لم يبدل من سلوك الحمار بنجامين شيئا قط: ظل كما كان عليه دائما ينجز عمله ببطء وثبات.. لا يتهاون في عمل ولا يتطوع لعمل إضافي، وإذا سئل عن الثورة وما حققته فإنه لا يبدي حماسا ولا يعبر عن رأي!
* * *
يقدم الإفطار يوم الأحد ـ وهو يوم العطلة ـ متأخرا ساعة عن وقته المعتاد. وبعد تناول الإفطار تبدأ الطقوس الأسبوعية: حيث يرفع العلم أولا: وهو عبارة عن قماش أخضر رُسم عليه قرنٌ وحافرٌ.. يرمز اللون الأخضر لحقول إنجلترا، كما شرح لهم سنوبول، الذي صمم العَلَم ورسم عليه الشعار في حين يعبر القرن والحافر عن جمهورية الحيوان القادمة، وبعد رفع العلم تحتشد الحيوانات في الحظيرة للاجتماع العام الذي يجري خلاله وضع خطط عمل الأسبوع القادم.

وعلى الرغم من أن القرارات كانت تطرح للنقاش العام خلال جلسة الأحد، إلا أن الخنازير أعطت لنفسها الحق في اتخاذ ما تراه مناسبا من القرارات بعد سماع وجهات نظر الحيوانات الأخرى. وكان سنوبول ونابولين أكثر المجتمعين حضورا في تناول المسائل المطروحة وفي ابداء ووجهات نظرهما، لكن الملاحظ أنه قلما يوافق أحدهما على اقتراح يطرحه الآخر. وكعادتها في كل لقاء، تنهي الحيوانات اجتماعها بإنشاد "حيوانات إنجلترا".
* * *
اتخذت الخنازير من غرفة العدة مقراً للقيادة، وأخذت تتدرب مساءً على حرف مثل الحدادة والنجارة وبعض المهارات الأخرى الضرورية.. مستعينة بكتب عثرت عليه في بيت المزرعة.

وشغل سنوبول نفسه بتنظيم الحيوانات الأخرى في مجموعات أطلق عليها "اللجان الحيوانية"، فقد شَكَّلَ لجنة إنتاج البيض للدواجن، وجمعية الذيول النظيفة للأبقار، وجمعية تعليم الحيوانات البرية، وجمعيات أخرى مختلفة الأنشطة إلى جانب إدارة مدرسة لتعليم القراءة والكتابة.

وتبين لاحقا أن اللجان كانت غير مجدية، ولم تحقق شيئا مما كانت تستهدفه سوى تعليم القراءة والكتابة مع تفاوت مستوى التحصيل من جنس حيوان الى آخر. فقد تمكنت الخنازير من تعلم القراءة والكتابة بإتقان، وكان مستوى الكلاب متوسطا، واقتصر اهتمامها في هذا الجانب على تَعَلُّمْ قراءة الوصايا السبع.

موريل، العنزة البيضاء، كانت أفضل من الكلاب وكانت تقرأ في بعض الأمسيات قصاصات الصحف على مسامع الحيوانات الاخرى في حين أتقن الحمار بنجامين القراءة بنفس مستوى الخنازير لكنه لم يكن يبذل جهداً لممارستها اذ لا يوجد ـ حسب قوله ـ ما يستحق القراءة!

كلوفر تعلمت الحروف الأبجدية كلها وإن كان يستعصي عليها تكوين جمل كاملة، وتعذر على بوكسر تجاوز الحرف الرابع على الرغم من محاولاته المستميتة لتعلم المزيد! كان يخط الحروف التي يتعلمها بحافره الضخم على التراب ثم يقف وأذناه مشرعتان الى الخلف وعيناه على وسعهما محدقا بالحروف التي رسمها أمامه.

لم يكن بوسع الحيوانات الاخرى تجاوز الحرف الأول من الأبجدية، والأسوأ أن الغبية منها، كالخراف والدجاج والبط، عجزت عن حفظ الوصايا السبع عن ظهر قلب.. الأمر الذي دفع سنوبول ـ بعد طول تفكير ـ إلى إيجاز الوصايا السبع في شعار واحد "الخير في ذوات السيقان الأربعة والشر في ذوات الساقين".. مؤكدا أن الشعار يلخص ما نصت عليه وصايا الثورة، ويحتوي على المبادئ الأساسية لفكرة "الحيوانية"، وكل من يستوعب فحواها سيكون بمنأى عن التشبه بالإنسان.

اعترضت الطيور على ذلك باعتبار أنها ذوات ساقين، لكن سنوبول اقنعها بعكس ذلك، إذ قال: "جناح الطيور، يا رفاق، عضو من أعضاء الحركة وليس لممارسة أي مهارات أخرى، ويعد بذلك ساقا، أما العلامة المميزة للإنسان فهي يده التي ينفذ بها أعماله الشريرة كافة.

لم تفهم الطيور ما أسهب سنوبول في شرحه، لكنها تقبلت توضيحه اقتناعا منها بصواب آرائه، وأخذت الحيوانات الاقل ذكاءً. تحفظه عن ظهر قلب. ولتسهيل الأمر عليها كُتب الشعار بخط كبير على جدار الحظيرة فوق الوصايا السبع مباشرة. أما الخراف فقد نما لديها حب كبير للشعار بعد أن حفظته، فكانت تمضي ساعات تنشد "الخير في ذوات السيقان الأربعة والشر في ذوات الساقين" وهي مستلقية في الحقل تجتر الهواء من دون كلل أو ملل.

لم يعرْ نابولين جمعيات سنوبول اهتماما، بل كان يرى أن تعليم الأحداث أكثر أهمية. وفي هذه الأثناء ولدت الكلبتان جسي وبلوبل تسعة جِرَاء، وحالما فُطمت أخذها نابولين بحجة أنه سيتكفل بتربيتها وتعليمها، فخصص لها مكانا تحت سقف غرفة العدة يصعب الوصول إليه إلا بالسلم، فعاشت معزولة عن بقية أفراد المزرعة ولم يعد يُذكر من أمرها شيء!
* * *
لاحظت بعض الحيوانات، خلال الصيف، اختفاء حليب البقر من دون أسباب واضحة. لم يبدِ أحد اهتماما بالأمر، لكن اتضح لاحقا أن الحليب كان يخلط مع طعام الخنازير. وعندما بدأ موسم قطف التفاح، افترضت الحيوانات أنه سوف يُقَسم بينها بالتساوي، بيد أن الأوامر صدرت بجمع التفاح وتخزينه في غرفة العدة بعد أن استأثرت به الخنازير لنفسها. وعلى الرغم من تذمر الحيوانات الاخرى من ذلك، إلا أن الخنازير لم تعرْ ذلك اهتماما.. لاسيما أنها وَحَّدت موقفها في تلك القضية، حتى أن سنوبول ونابولين ـ اللذين قلما اتفقا ـ لم يختلفا بشأن ذلك الإجراء، وأبديا موقفا موحدا منه، وأُرسل سكويلر لإبداء الإيضاحات الضرورية وإزالة اللبس!

ـ أيها رفاق.
صرخ سكويلر، وهو يقفز من مكان لآخر. وقال:
ـ آمل ألا يظن أحدكم أن ما قمنا به كان بدافع حب الذات والترفع! فالحقيقة أن من بيننا نحن معشر الخنازير من يكره التفاح والحليب، وأنا شخصيا أحد هؤلاء. ولكن غايتنا الوحيدة هي الحفاظ على صحتنا، فقد أثبت العلماء أن التفاح والحليب يحتويان على مواد ضرورية للغاية لحياة الخنازير.
وأضاف قائلا:
ـ إن الخنازير، كما تعلمون، تضطلع بالمهام العقلية في المزرعة، فإدارة العمل وتنظيمه يعتمدان علينا.. نحن نسهر الليالي ولا ندخر جهدا من أجل راحتكم، لذلك السبب يا رفاق نشرب الحليب ونأكل التفاح.
وسأل بصوت هادئ، بعد ان تَفَحصَّ وجوه الحيوانات أمامه.. يبحث بعينيه اللامعتين عن مدى تأثير حديثه عليها:
ـ هل تعلمون، يا رفاق، ماذا سيحل بنا إن نحن تقاعسنا عن أداء مهامنا؟
وترك السؤال معلقا لبرهة قبل ان يجيب بصوت أعلى واكثر قوة:
ـ سيعود جونز.. أجل سيعود جونز.
ثم استدرك بصوت رخيم أراد به تجسيد حجم الكارثة التي ستحل بهم لو عجزت الخنازير عن القيام بواجبات القيادة:
ـ وطبعا لا أحد منكم يريد عودة جحونز.. أليس كذلك؟!

إذا كان ثمة شيء يحظى بإجماع الحيوانات على اختلاف أجناسها: فهو بغضها لجونز، وحين وُضع لها الأمر على هذا النحو، بات واضحاً ان مصلحة المزرعة تقتضي الحفاظ على صحة الخنازير. واتفقت الحيوانات من دون مزيد من النقاش على تخصيص محصول التفاح والحليب كله لطعام الخنازير فقط.



من مواضيعي :
الرد باقتباس