عرض مشاركة مفردة
  #8  
قديم 15/06/2006, 11:34 PM
صورة لـ محمد عيد العريمي
محمد عيد العريمي
ضيف
 
[align=justify]مزرعة الحيوان / الفصل الثاني / جورج أورويل

بعد ثلاثة أيام من ذلك الحدث ـ وكان ذلك في أوائل شهر مارس ـ داهم الموت العجوز ميجر في فراشة، فارق الحياة بسلام ودفن في جانب من بستان الفواكه. وإن مات كبير الخنازير، إلا أن ما بشر به في ذلك اللقاء ترسخ في عقول الحيوانات الذكية وأعطى حياتها بعدا جديدا ومعنى آخر لم تكن تدركه من قبل.

لا أحد يعلم متى ستنطلق شرارة الثورة التي تنبأ بها ميجر، ولم يكن ثمة ما يحمل على الاعتقاد أنها ستتحقق خلال حياة الحيوانات التي اجتمعت واستمعت للعجوز وهو يدعوها إلى حمل وصيته وتبليغها إلى الأجيال القادمة، لكن على الرغم من ذلك، كانت الحيوانات مؤمنة أن من واجبها التحضر والإعداد للثورة.

وكان من الطبيعي أن تضطلع الخنازير بمهمة توعية وتدريس بقية الحيوانات وتنظيمها. فهي، وباعتراف الجميع، أكثرها ذكاءً. وكان من بينها خنزيران يافعان لهما شأن كبير: الأول يدعى سنوبول والآخر اسمه نابولين. كان نابولين ضخم الجثة وقبيح الطلعة.. لا يجيد الكلام، ولكنه يشتهر بطرقته "الميكيافلية" في الوصول لما يريد، فالغاية عنده دائما تبرر الوسيلة. أما سنوبول فكان خنزيرا مفعما بالحيوية وأكثر نشاطا عن نابولين، وكان طليق اللسان وسريع البديهة، وله قدرة على الابتكار، ولكن شخصيته كانت أقل عمقا من نابولين.

ومن بين الخنازير التي كانت تنتظر ذبحها واحد اسمه سكويلر... سمين الجسد وذو وجه مدور وعينين لامعتين، وكان رشيق الحركة وحاد الصوت. كان سكويلر متحدثا بارعا له قدرة رهيبة على الحوار والإقناع.. مما حدا بالحيوانات الأخرى الى القول أن باستطاعة " سكويلر" تحويل الأسود إلى ابيض!

لقد عمل الثلاثة على توسيع مضامين حديث العجوز ميجر وجعلوا منها نظاما فكريا متكاملا أطلقوا عليه اسم "الحيوانية"، وأخذوا ينظمون اجتماعات سرية لشرح أسس ومبادئ الحيوانية. يبد أن لقاءاتهم الأولى اتسمت بكثير من النقاش السطحي واللامبالاة: كانت بعض الحيوانات تطرح مسألة الولاء للسيد جونز، وكانت تشير إليه بلقب "السيد"، أو تبدي ملاحظات عفوية مثل:
ـ "السيد جونز يطعمنا وسنموت جوعا إذا غاب".
وكان بعضها الآخر يسأل: "لماذا نكترث بشأن ما سيحدث بعد موتنا؟".
أو تقول:
ـ "بما أن الثورة ستتحقق في نهاية المطاف، فما الفرق بين أن نعمل من أجل حدوثها أو لا نعمل؟".

وكانت الخنازير تؤكد لها أن كل ذلك مخالف لمبادئ الحيوانية، أما أسخف الأسئلة فكانت تطرحها مولي، المهرة البيضاء، كقولها في أحد الاجتماعات:
ـ هل سيسمح لي بتعليق الأشرطة على رقبتي؟
فأجابها سنوبول:
ـ يا صديقتي إن الأشرطة التي تغرمين بها والتي تطوق رقبتك وتظفر عرفك ليست سوى شعارٍ للعبودية، فالحرية أسمى وأغنى كثيرا!

وكان من الصعوبة بمكان على الخنازير مواجهة الأكاذيب التي يلفقها الغراب موسيس.. لاسيما أنه متحدث بارع.. يجيد الإقناع ولفت الانتباه. وقد ادعى ذات مرة وجود مكان غامض يُدعى "جبل الحلوى" تنتقل إليه الحيوانات بعد مفارقة الحياة! وعلى الرغم من أن الحيوانات تكره الغراب لتقاعسه عن العمل ولبثه الأكاذيب والإشاعات، إلا أن بعضها كان يصدق وجود "جبل الحلوى".

كان بوكسر وكلوفر أكثر الحيوانات إخلاصا وانضباطا لهذه الدعوة. ومع أنهما كانا يواجهان صعوبة في التفكير إلا أنهما شديدا الثقة بالحنازير وسريعا الاستيعاب لما تقوله. كانا حريصين على حضور الاجتماعات السرية التي تعقد في الحظيرة، وكانا أول من يتغنى بأنشودة حيوانات إنجلترا التي تنتهي بها الاجتماعات عادة.
***
يبدو أن الظروف تهيأت لقيام الثورة قبل أوانها. فقد ساءت أحوال حياة السيد جونز، في السنوات الأخيرة، كثيرا. وعلى الرغم من أنه كان فلاحا قديرا، إلا أن الأمور أخذت منحى لغير صالحة.. لاسيما بعد أن فقد مبلغا من المال في دعوى قضائية.

وأخذ يسرف في الشرب على نحو أضر بصحته، وأهمل عمله. كان يمضي أياما بساعاتها جالسا على مقعده في المطبخ يعاقر الخمرة، ويقرأ الجرائد ويرمي فتات الخبز إلى الغراب موسيس بعد أن يبللها بالبيرة.. تاركا عمل المزرعة لرجاله الذين حذوا حذوه، فامتلأت الحقول بالحشائش الضارة وتداعت أسقف بعض المباني بعد أن أهمل صاحب المزرعة صيانتها، ولم تجد الحيوانات من يعتني بها، فرجاله ليسوا أفضل حالا منه، فهم لا يحركون ساكنا أيضا.

وذات مساء صيفي ذهب السيد جونز إلى حانة المدينة لتناول الخمر ولم يعد إلى المزرعة إلا في منتصف اليوم التالي. أما رجاله فقد حلبوا الأبقار في الصباح الباكر وذهبوا لصيد الأرانب من دون أن يتجشموا عناء إطعام الحيوانات. وعاد السيد جونز إلى المزرعة.. كان متعبا من شدة السكر، فنام في مقعده والجريدة على وجهه.

دخل الليل على الحيوانات من دون طعام؛ فنفدت مقاومتها، ولم تستطع على الجوع صبرا. وكان لابدّ مما ليس منه بدّ، فحطمت إحدى البقرات بقرونها باب مخزن المؤنة وتبعتها بقية الحيوانات إلى داخل المخزن وأكل كل حيوان ما استطاع أكله.

وعلى أصوات الصخب الذي أثارته الحيوانات الجائعة استيقظ السيد جونز واستدعى رجاله على وجه السرعة، وخلال دقائق دخل مع أربعة منهم المخزن وأوسعوا الحيوانات ضربا بسياطهم وركلا بأحذيتهم الثقيلة كيفما اتفق.

وكان ذلك اكثر مما تستطيع الحيوانات الجائعة تَحَمَُله. وبالإجماع، ومن دون تخطيط مسبق، صبت الحيوانات جام غضبها على مستعبديها، ووجد السيد جونز ورجاله فجأة أنفسهم وسط حيوانات هائجة تنطحهم وترفسهم وتعضهم من كل صوب وجانب، وخرج الوضع عن نطاق سيطرتهم. فقد أصابهم التمرد المفاجئ لحيوانات اعتادوا ضربها واثارة هلعها كلما حلا لهم، بالذعر والخوف، وسركان ما كفوا الدفاع عن أنفسهم وولوا الأدبار مطلقين سيقانهم للريح على الطريق المؤدية إلى البوابة الرئيسية، والحيوانات تجري خلفهم حتى أخرجتهم إلى الطريق العام وأوصدت البوابة خلفهم.

وحينئذ ـ فقط ـ أدركت الحيوانات ما حدث: لقد قامت الثورة وكُللت بالنجاح، وطرد جونز وزوجته وأصبحت المزرعة ملكا لها.

كان الحدث عظيماً، ويصعب تصديقه! وأصاب الذهول الحيوانات كافة حتى أكثر المتفائلين بسرعة قيام الثورة. وحينما استوعبت الحيوانات الثائرة حقيقة ما جرى، أسـرعت الى تفتيش أرجاء المزرعة للتأكد من لا أثر للإنسان داخل حدودها، ثم أقفلت عائدة إلى مباني المزرعة لإزالة ما تبقى من عهد جونز المقيت، فكسرت باب مخزن العدة وأخرجت شكائم اللجام، وحلقات الأنف، والأربطة، والسكاكين المرعبة التي كانت تذبح بها الخنازير وألقت بها في البئر كافة. أما السياط فقد أضرمت فيها النار وسط فرحة الحيوانات وسعادتها الغامرة. وفي غضون دقائق، اختفى كل ما يمت بصلة لعهد جونز.

وبعد ذلك قادها سنوبول إلى بيت المؤنة، وقدم لها حصة مضاعفة من الذرة، وقرصين من البسكويت لكل كلب، وأنهت الحيوانات الليلة أولى بعد قيام الثورة بإنشاد أغنية "حيوانات إنجلترا"سبع مرات، وخلدت الى مرابضها ونامت كما لم تنم من قبل.
***
استيقظت الحيوانات عند بزوغ الفجر كعادتها، وفجأة تذكرت الحدث الرائع الذي شهدته المزرعة يوم أمس، فأسرعت إلى المرعى حيث تجمعت فوق ربوة تطل على أرجاء المزرعة كلها. ووقفت، والدهشة تكتظ بها محاجر عيونها.. تحدق في أرجاء المزرعة على ضوء الصباح الصافي. نعم.. لقد تحقق الحلم، وصدقت "نبوءة" العجوز ميجر، وأصبحت المزرعة وما فيها وكل ما تراه أمامها ملكها.

وراحت الحيوانات ـ مأخوذة بنشوة الانتصار، والفرحة بما تحقق لها ـ تقفز من مكان إلى آخر.. كل يعبر حسب طريقته عن سعادته: تدحرج بعضها في التراب المبلل بالندى، وراح بعضها يقضم العشب الطري، وأخرى أخذت تستنشق رائحة الأرض الزكية، ووقفت اخرى تبتسم وتهز رأسها زهواً بما تراه!

وفي غمرة سعادتها، راحت الحيوانات تتجول في أرجاء المزرعة، وتبدي إعجابها بكل ما تراه وكأنها ترى ذلك لاول مرة.. غير مصدقة أن كل ذلك أصبح مُلكها: أكوام العشب، وبستان الفاكهة، ومراعي الخيول الخضراء، وبركة الماء!

وأقفلت عائدة إلى مباني المزرعة. دار جونز استحالت ملكها أيضا، لكنها وقفت مترددة أمام باب الدار.. كانت خائفة من الاقتراب منها! وبعد لحظات من الصمت والرهبة، قام سنوبول ونابولين بدفع الباب بأك****ما، ودخلت الحيوانات المنزل في صف واحد وفي منتهى الحذر خوفا من إفساد محتوياته.

ثم تجولت في أرجاء المنزل من غرفة إلى أخرى.. تمشى على أطراف أصابعها ويهمس بعضها للبعض الآخر، وكانت تحدق برهبة ودهشة فيما تراه من ترف عيش ونعيم حياة: أغطية الأسرة المبطنة بالريش الناعم، والمرايا الفاخرة، والأرائك الوثيرة المبطنة بوبر الخيول، والتحف النادرة من العصر الفكتوري.

وقبل أن تغادر الحيوانات دار السيد جونز اتخذت قراراً جماعيا بالحفاظ على المنزل وتحويله إلى متحف، واتفقت على ألاّ يسكنه من الحيوانات أحد، وألاّ يستخدم ما فيه من أثاث وأدوات!
***
بعد تناول الحيوانات طعام الإفطار، دعاها سنوبول ونابولين للاجتماع من جديد.
ـ يا رفاق!
بدأ سنوبول خطابه، وقال:
ـ الساعة السادسة والنصف الآن، وبانتظارنا يوم عمل طويل؛ فاليوم سنبدأ جز الحشيش، لكن قبل ذلك ثمة أمر آخر غاية في الاهمية ينبغي الانتهاء منه.

تبين أن الخنازير أمضت الأشهر الثلاثة الأخيرة تُعَلِّم أنفسها القراءة والكتابة بالاستعانة بكتاب تَهْجِئَة قديم يخص أطفال جونز وجدته في كومة النفايات. فقد أرسل نابولين أحدهم لإحضار عبوات من الصبغ الأبيض والأسود، ثم قاد الجميع إلى البوابة الرئيسية حيث وقف سنوبول وقد أمسك بحافره فرشاة كبيرة ـ وكان أفضل من يجيد الكتابة من بين الخنازير ـ ومسح اللوحة التي كتب عليها "مزرعة جونز" وخط مكانها "مزرعة الحيوان".. معلنا عن تغيير اسم المزرعة وإشهار اسمها الجديد من الآن فصاعدا.

وانتقل الجميع في أعقاب ذلك إلى مباني المزرعة، حيث أرسل سنوبول بطلب السلم، وأمر بوضعه على جدار الحظيرة الكبيرة. وصرّح سنوبول ونابولين أن الخنازير نجحت خلال دراستها في الأشهر الثلاثة الأخيرة في اختصار مبادئ الحيوانية إلى سبع وصايا، وقال أنها ستدون على جدار الحظيرة، وستغدو، منذ اليوم، قانونا يلتزم الجميع بتطبيقه وهو غير قابل للتغيير.
وبصعوبة تسلق سنوبول السلم، وتبعه سكويلر حاملا علب الأصباغ، وكتب الوصايا على الجدار بأحرف كبيرة بيضاء يمكن قراءتها من مسافة ثلاثين ياردة، وهي كالآتي:

الوصايا السبع:
1 ـ كل من يمشي على قدمين فهو عدو.
2 ـ كل من يمشي على أربع أقدام أو له أجنحه هو صديق.
3 ـ يحظر على الحيوان ارتداء الملابس.
4 ـ يحظر على الحيوان النوم على سرير.
5 ـ يحظر على الحيوان تعاطي الخمر.
6 ـ لا يجوز لحيوان قتل حيوان آخر.
7 ـ كل الحيوانات متساوية في الحقوق والواجبات.

ما أن انتهى سنوبول من كتابة الوصايا حتى قرأها على الأميين منهم بصوت مرتفع.. الذين ظلوا يهزون رؤوسهم كلما أنهى قراءة وصية منها.. بالموافقة حينا وبالاعجاب حينا آخر في حين حفظتها الحيوانات الأكثر ذكاء عن ظهر قلب.

بث سنوبول، بعد أن ألقى الفرشاة جانبا، روح التحدي في نفوس الحيوانات قائلا:
ـ والآن أيها الرفاق هلُمَّ بنا إلى حقل العُشْب لكي نجعل من مهمة حصاده بسرعة أكبر من تلك التي يعمل بها جونز ورجاله مسألة شرف!

وفي غضون ذلك، أبدت الأبقار الثلاث انزعاجها، وعبرت عن ذلك بالخوار بصوت مرتفع بعد أن صعب عليها التحرك بسبب امتلاء أضرعها بالحليب. فقد مضى عليها أربعٌ وعشرون ساعة منذ آخر مرة أفرغت أثداءها التي كانت على وشك الانفجار، فأرسلت الخنازير لجلب دلاء حفظ الحليب وتولت حلب الأبقار بنفسها، وسرعان ما امتلأت الأدلاء بالحليب.. الأمر الذي أثار اهتمام بقية الحيوانات، فسأل أحدها:
ـ ماذا سيحدث لكل هذا الحليب؟
فردت احدى الدجاجات:
ـ كان جونز يمزج شيئاً منه في طعامنا.
فصاح نابولين:
ـ لا عليكم بشأن الحليب، سنهتم بأمره.
وأضاف وهو يرمق الدجاجة بعين بعد أن تمعن في الأدلاء:
ـ المهم الآن الحصاد. هَلُمَّ يا رفاق إلى الحقل، سيتقدمكم الرفيق سنوبول، وسألحق بكم بعد دقائق معدودة.
وهكذا انتلقت الحيوانات بهمة ونشاط الى حقل العشب لبدء الحصاد، وحين عادت مساءً بعد أن يوم عمل كامل، لم تجد للحليب أثراً!



من مواضيعي :
الرد باقتباس