الموضوع: طلبااات
عرض مشاركة مفردة
  #5  
قديم 25/02/2006, 07:58 PM
صورة لـ PiNk PaNtHeR
PiNk PaNtHeR
ام نرجس
 
مرحبا
هذه بعض المعلومات عن ايليا أبو ماضي واللتي اخذتها من كتاب شعراء المهجر


يعتبر أبو ماضي في طليعة الشعراء الذين اتسع معهم مفهوم الشعر العربي حتى شمل أغراض الفكر إلى جانب الخيال والعاطفة، وعبر عن مضامين الحياة الاجتماعية والنفسية، وهو بهذا جدير بأن يحمل لقب" شاعر الفكر" كما يسميه عبد اللطيف شرارة في كتابه " إيليا أبو ماضي".

حياته:
عاش أبو ماضي في ثلاثة أوطان كان لكل منها أثر كبير في تكوينه النفسي والعقلي، كان لبنان هو وطنه الأول إذ أبصرت عيناه النور في قرية " المحيدثة" الواقعة على مقربة من بكفيا. وكان مولده على الأرجح حوالي سنة 1890. كانت تلك السفوح والهضبات الخضراء مدارج لطفولته وملاعب لصباه، ومنطلقًا لذكريات طالما شده الحنين في غربته إليها:
وطـن النـجوم أنا هنـا حـدق أتذكر من أنـا؟
أمحت في الماضي البعيد فتى غريرًا ارعنا؟
جـذلان يمرح فـي حـقولك كالنـسـيم مدنـدنـا
أنـا ذلـك الـولـد الــذي دنـيــاه كـانــت همنــا
كم عانقـت روحـي رباك وصفقت في المنحنى
بيد أن الأحوال المعيشية والفاقة التي كانت سائدة في لبنان آنذاك لم تمهله حتى يكمل الثانية عشرة، إذ نزح إلى الإسكندرية متخذا لنفسه محلا لبيع السجائر.فمصر هي وطنه الثاني الذي شب فيه ونما.وقد كانت في ذلك الوقت أي في العقد الأول من القرن العشرين تعج بشتى التيارات السياسية والاجتماعية، والدعوات التحررية، تشهد حركة انبعاث وإحياء للتراث الثقافي القديم وحركة احتكاك بين الشرق والغرب. وكان طبيعيًا أن يتأثر الشـاعر بهذا المناخ الفكري الذي كان مسيطرًا آنذاك فلم يحل عمله بينه وبين المطالعة والتحصيل والتحرير في الصحف. وقد ساعده نبوغه المبكر على نظم الشعر حيث نشر في هذه الفترة التي أقامها في الإسكندرية والتي لم تزد على تسع سنوات، ديوانه الأول "تذكار الماضي" عام 1911. ويفهم في شعره أنه كان خلال إقامته في مصر هانئًا في حياته قريرًا، إذ لا يذكرها إلا ويحن إليها حنينه إلى مسقط رأسه:
ليس الوقوف على الأطلال من خلقي ولا البكاء على ما فات من شيمي
لكـن مصـر ومــــا نفـسـي بـناســـيه مليـكة الشـرق ذات النيل والهــرم
صرفت شطر الصبا فيها فما خشيت نفسي العثار ولا خافت من الوصم
جــاد الـكنـانـة عنــي وابـل غـدقــي وإن يكـن النـيل يغـنيها عن الديــم
الشـرق تــاج ومصــر منـه درتـه والشرق جيش ومصر حـامل العلم



ولأمر ما لعله الطموح وطلب المزيد من الرزق ترك الشاعر مصر وهو في الثانية والعشرين مهاجرًا إلى الولايات المتحدة، وطنه الثالث. أقام بمدينة " سنسناتي" بضعة أعوام عمل فيها بالتجارة ومع أنه كان خلال هذه الفترة منقطعًا عن دنيا الأدب في تلك المدينة إلا أنـه كان يختزن الكثير من الأحاسيس والتأملات، ويمر بكثير من التجارب النفسية والعملية، ويطالع كل ما حمله معه أو وقعت عليه يده من كتب وآثار ويتعرف على ما يجول في العالم الجديد من اتجاهات أدبية وحركات فكرية فكان من الطبيعي أن يتأثر بهذا المناخ الثقافي الجديد شأنه شأن إخوانه المهاجرين.
غير أنه فيما يظهر من شعره لم يكن سعيدًا في تلك المدينة التي ضاق بها ذرعًا وسئم معاشرة من لا تربطه بهم عاطفة ولا شعور ولا يقدرون شعره حق قدره:
أصبحت في معشر تقذى العيون بهم شر من الداء في الأحشاء والتخم
مــا عــز قـدر الأديـب الحـر بيــنهم إلا كـما عـز قـدر الحي في الرمم
فصمم على مغادرتها وخاصة بعد أن أخفق في تجارته. كانت نيويورك هي المستقر الذي ينشده، حيث يكثر عدد الجالية العربية هناك، ووسائل المعيشة فيها ميسرة، ولا سيما أمام الأديب، فانتقل إليها وراح يمارس العمل الصحفي في صحيفة"زحلة الفتاة" وفي "مرآة الغرب"..وسرعان ما لمع اسمه بين الكتاب والشعراء مما شجعه على الاستقلال بعمل صحفي يشرف عليه بنفسه إذ أصدر مجلة " السمير" عام 1929، التي كان يصدرها ببيتي شعر طريفين ينمان عن اتجاهه الجديد:
أنــا لا أهــدي إلـيكم ورقـًأ غـيركم يرضى بحـبر وورق
إنـما أهـدي إلـى أرواحـكم فـكرًا تبقى إذا الطرس احترق
وفي تلك الأثناء تعرف إلى جماعة الكتاب والشعراء الذين كانوا يصدرون جريدة" السائح" والذين أسسوا" الرابطة القلمية" التي انضم إليها أبو ماضي والتي كان أبرز مؤسسيها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمه وندرة حداد ونسيب عريضة. وليس ثمة من ريب أن هذه المدرسة الشعرية " الرابطة القلمية" تركت أثرًا جليًا إن لم يكن تحولا كبيرًا في شعر أبي ماضي كما سأتحدث عنه فيما بعد.
ظل الشاعر يمارس العمل في الصحافة إلى أن قضى نحبه عام 1957م. أصدر في نيويورك ثلاثة دواوين، "ديوان إيليا أبو ماضي" حوالي عام 1919، "والجداول" عام 1927، " والخمائل" عام 1940. أما ديوانه الأخير" تبر وتراب" فقد جمعه أصدقاؤه بعد وفاته ونشر عام 1960. وما يزال قسم غير ضئيل من مقطوعاته القصيرة متناثرًا في "السمير".


ثقافته:

في الحقيقة أن أبا ماضي مثل رائع للعصامية الفذة، ذلك أنه شق طريقه نحو القمة غير مكترث بوعورة الدرب وصخوره وأشواكه. لم ينل من التعليم في صغره إلا مـا قدمته لـه مدرسة القرية الصغيرة، فنزح من لبنان وهو على شيء من العلم بالقراءة والكتابة. وفي الإسكندرية كان يبيع السجائر في النهار ويدرس النحو والصرف في الليل، تارة على نفسه وتارة في بعض الكتاتيب. كما عكف في أوقات فراغه على مطالعة أشعار الفحول الذين كانوا أمثلة يحتذي بهم رواد الشعر في عصر النهضة من أمثال البارودي وشوقي وحافظ.
غير أن نزوحه إلى العالم الجديد وعزلته في مدينة سنسناتي، ومن ثم انطلاقه في العمل الصحفي بنيويورك وسعت آفاقه الفكرية، وفجرت فيه ينابيع التأمل وأتاحت له فرصة الإطلاع على الآداب الغربية والإفادة منها. هذا فضلا عن تأثره بالرابطة القلمية وبأفكار جبران في الأخوة الإنسانية ووحدة الوجود والفلسفة الروحية كما سنرى فيما بعد أثناء دراستنا لشعره.

شعره:
شعر أبي ماضي يشكل نقطة التقاء للمؤثرات الشرقية والغربية إذ يبدو لنا الشاعر من خلال دواوينه الخمسة مزيجًا متباينًا من الجدة والقدم، لا فقد عاش بادئ ذي بدء في إطار من الشعر القديم والطابع القديم متأثرًا بأبي العلاء المعري وأبي نواس وغيرهما من شعراء العصر العباسي، ولنأخذ على سبيل المثال بعضًا من قصيدة له نشرت في ديوان إيليا أبو ماضي بعنوان1916:
كـم قبـل هـذا الجـيل ولـى جـيل هيهات ليس إلى البقاء سبيل
ضحك الشباب من الكهول فأغرقوا واستيقظوا فإذا الشباب كهول
قـف بـالـمـقـابر صـامـتًا مـتـأمـلا كم غاب فيها صامت ومسول
وسـل الكـواكب كم رأت من قـبلنا أمـمًا وكـم شـهد النـجوم قـبيل
تـتـبـدل الـدنـيـا تـبـدل أهـلـهـا والله لـــيـس لأمـره تـبـديـــل
ولعل من الواضح أن هذه الأبيات تذكرنا بأبي العلاء المعري في مرثاته الشهيرة التي يقول فيها:
فأسأل الفرقدين عمن أحسا من أناس وآنسا من بلاد
إذن فقد كان شعره في هذا الطور أقرب إلى التقليد من إلى الابتكار، ويبدو لنا الشاعر من خلال ديوانه الأول" تذكار الماضي" كما يقول زهير ميرزا في كتابه " إيليا أبو ماضي شاعر المهجر الأكبر" "ضعيف الثقافة ضعيف التحصيل، ضعيف الإطلاع على مفردات اللغة، ضعيف الإلمام بقواعدها وأدواتها أيضًا" ومع هذا فلا يعدم الديوان وجود بعض القصائد الحسنة النظم، الجميلة المعاني. أما في ديوانه الثاني"قصائد إيليا أبو ماضي" فعلى الرغم من استمرار نزعته التقليدية التي تتجلى في معارضاته للمتنبي أو المعري أو أبي نواس أو البارودي، وعلى الرغم من عنايته الكبيرة بالألفاظ والأوزان إلا أن في الديوان قصائد غنية بالتجارب الإنسانية والأفكار الجديدة التي تشير إلى زيادة حصيلته الثقافية خلال الفترة التي أقامها في "سنسناتي" ومن أبدع قصائد هذا الديوان، "لم أجد أحدًا" و" فلسفة الحياة" التي يقول فيها:
أيـهـذا الشـاكــي ومــا بــك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
أن شـر الجناة فـي الأرض نفس تتوقى قبل الرحيل الرحيلا
وترى الشوك في الورود وتعمى أن تـرى فوقها الندى إكليلا
هو عــبء على الحيــاة ثقــيل مـن يـظن الحـياة عبئًا ثقيلا
والـذي نـفـسه بغــير جمـال لا يرى في الوجود شيئًا جميلا
***
وما إن انتقل أبو ماضي إلى نيويورك وانضم إلى " الرابطة القلمية" حتى تأثر بأفكار مدرستها وأسلوبها. والرابطة القلمية مدرسة استهدفت الانفلات من الأساليب التقليدية القديمة التي لم تعد ملائمة لحاجات الحياة اليومية، لم تنفلت من القيود اللغوية وإنما أحدثت تغييرًا في المضامين والأفكار الشعرية التي استوحتها من بيئة المهجر في إطار من روحانية الشرق التي طغى عليها التفكير الفلسفي الصوفي، وقد عنوا بالفكرة والموسيقى أكثر مما عنوا بجزالة الألفاظ وقواعد اللغة مبتعدين عن مدرسة تقليد لقدماء في ألفاظهم وتعبيراتهم وأسلوبهم. يقول ميخائيل نعيمة في مقدمته لديوان إيليا أبي ماضي الثالث" الجداول": "والذي أحاوله الآن هو القول أني آنس قرابة روحية بيني وبين صاحب الجداول" ما كنت أشعر بمثلها بيني وبين ناظم الجزء الأول والثاني من ديوان إيليا أبي ماضي. ترى أتغير أبو ماضي إلى هذا الحد في السنوات الثماني الأخيرة أم تراني تغيرت؟ .. ولعل في هذا إشارة واضحة من أحد مؤسسي" الرابطة القلمية" إلى تأثر الشاعر باتجاهها. تقول نادرة السراج في كتابها "شعراء الرابطة القلمية" عن أبي ماضي في هذا الصدد:
" أنه قد تخلي عن مدرسة التقليد في الشعر التي كان يعد من أخلص تلاميذها في أول نشأته الأدبية لينخرط في سلك مدرسة تجديدية تحريرية من نوع فريد. لقد عدل عن البحور الطويلة والأوزان المعقدة كما تخلى عن المطالع الفخمة والألفاظ الجزلة ليتبع المعاني الموحية والأنغام السائغة"..
ولعلنا ندرك بوضوح هذا التأثر إذا أخذنا مثلا من ديوانه" الجداول" إذ يعرب الشاعر في فاتحته عن اتجاهه الجديد:
لست مني أن حسبت الشعر ألفاظًا ووزنا
خالفت دربك دربي وانقضى ما كان منا
فهو عزوف عن الاهتمام بزخرف الألفاظ وتكلف الأوزان وإنما همه الأول هو الأفكار والمعاني. والحق أن الشاعر رغم تأثره بهذه المدرسة، فإنه لا ينتمي إليها بل يغني ما تملي عليه موهبته. ويختلف عن المهاجرين بأنه أقلهم ركاكة ومخالفة لأصول اللغة، وقد يقف من حيث العبارة موقفًا وسطا بينهم وبين المتشددين كما سنرى عند حديثنا عن أسلوبه.


بلغ أبو ماضي الذروة في ديوانه الجداول، وفي الديوانين اللذين صدرا بعده "الخمائل" و" تبر وتراب" وإن كان أبو ماضي كما يقول عيسى الناعوري في كتابه أدب المهجر، "لم يزد في الخمائل خطًا أبعد بل انتكس مع شعر المناسبات".ذلك أن خصائص أبي ماضي قد تكملت ووصلت مرحلة النضج في " الجداول" إذ يعتبر نقطة تحول في شعره خاصة وفي أدب المهجر عامة، إذ تحول بالقصيدة ذات التفاريق والأجزاء إلى قصيدة ذات وحدة عضوية نامية، فأصبحت كلا كاملا تتبع أجزاؤها لجذعها الكبير الذي يتجه اتجاهًا طبيعيا في نموه. لذلك لم يقيد أبو ماضي نفسه بالشكل وتهاون بعض الشيء في ما كان يحرص عليه من جزالة.

وأمثلة ذلك كثيرة في هذه الدواوين الثلاثة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قصيدة" العنقاء"، "المساء"، "في القفر"، "الطين"، "نار القرى". وفي قصيدة العنقاء يرسم الشاعر صورة متدرجة نامية عن ارتعاشات قله وحركته النفسية المضطربة وهو يعاني تجربة البحث عن السعادة.
فتشت جيب الفجر عنها والدجى ومددت حتى للكواكب إصبعي
فإذا هما متحيران كلاهما في عاشق متحير متضعضع
والبحر كم ساءلته فتضاحكت أمواجه من صوتي المتقطع
فرجعت مرتعش الخواطر والمنى كحمامة محمولة في زعزع
وكأن أشباح الدهور تألبت في الشط تضحك كلها من مرجعي
لقد أعياه البحث في مجالات الطبيعة إلى أن عاد يجرر ذيول الخيبة وقد استحوذ عليه القلق. ثم بحث عنها في مظاهر الترف والغنى فلما أخفق انصرف ليفتش عنها في حياة الزاهدين ولكنه أدرك أنه إنما يسير ضد تيار الحياة:
فوأدت أفراحي وطلقت المنى ونسخت آيات الهوى من أضلعي
وحطمت أقداحي ولما أرتو وعففت عن زادي ولما أشبع
وحسبتني أدنو إليها مسرعا فوجدت أني قد دنوت لمصرعي
فكأنني البستان جرد نفسه من زهره المتنوع المتضوع
ليحس نور الشمس في ذراته ويقابل النسمات غير مقنع
فمشى عليه من الخريف سرادق كالليل خيم في المكان البلقع
لم يعثر عليها في عالم اليقظة فليفتش عنها في عالم الرؤى والأحلام:
لما حلمت بها حلمت بزهرة لا تجتنى وبنجمة لم تطلع
ثم انتبهت فلم أجد في مخدعي إلا ضلالي والفراش ومخدعي
من كان يشرب من جداول وهمه قطع الحياة بغلة لم تنقع
حتى إذا أخذ اليأس منه كل مأخذ ران عليه الضعف والحزن فبكى وإذا اعتصر دموع نفسه أدرك أنها ليست في الخارج إنما هي نابعة من الداخل:
حتى إذا نشر القنوط جنابه فوقي وغيبني وغيب موضعي
وتقطعت أمراس آمالي بها وهي التي من قبل لم تتقطع
عصر الأسى روحي فسالت أدمعا فلمحتها ولمستها في أدمعي
وعلمت حَقَّ العلم لا يجدي الفتى أن التي ضيعتها كانت معي

أبو ماضي داعية التفاؤل:
حمل أبو ماضي راية الدعوة إلى التفاؤل والتمتع بالجمال واستقبال الحياة بالقناعة والابتسامة الراضية:
قال السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
قال الصبا ولى، فقلت ابتسم لن يرجع الأسف الصبا المتصرما
قال البشاشة ليس تسعد كائنا يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما
قلت ابتسم مادام بينك والردى شبر فانك بعد لن تتبسما
بهذا الحوار المنساب الذي كثر في شعره، وباستلهام الطبيعة معاني الخير والجمال وبهذه الروح التي تدعو إلى تناول الحياة بعفوية، يزخرف لنا أبو ماضي مواطن القبح ويخفف تباريح الألم ويصور عالم الواقع كما نحب أن يكون، الأمر يضفي على شعره لونًا محببا في النفس دفء الأمل وعذوبة القناعة.
وقد مر معنا قبل ذلك أبيات من قصيدة "فلسفة الحياة" وقد تكرس في الدعوة إلى التفاؤل بأجلى صورة وبأوضح رؤية. غير أن هذه الرؤية الصافية كانت تنطمس معالمها أحيانًا أمام الشاعر بصورة توحي بالتناقض والتردد إذ يقع تحت تأثير موجات من الكآبة التي قد تتحول إلى تساؤل وقلق وحيرة كما نجد في قصيدة "الزمان" حيث يقول فيها:
يشكو الذي يشكو السهاد جفونه لو لم يكن ذا ناظر لم يسهد
ما أن رأيت الكحل في حدق المها إلا لمحت الدود خلف الأثمد
من ليس يضحك والصباح مورد لم يكتئب والصبح غير مورد
سيان أحلام أراها في الكرى عندي وأشياء بها اشتملت يدي
أنا في الزمان كموجة في زاخر أنا فيه أن يزبد وأن لم يزبد
إلا أنه لم يكن ليسترسل في كآبته بل يظل يقاوم تيار التشاؤم الجارف الذي طغى في أعقاب الحرب العالمية الأولي في بيئة حافلة بالمتناقضات. ولنأخذ جانبا من قصيدة "المساء" كمثل لذلك.
لا فرق عند الليل بين النهر والمستنقع
يخفي ابتسامات الطروب كأدمع المتوجع
إن الجمال يغيب مثل القبح تحت البرقع
لكن لماذا تجزعين على النهار وللدجى
أحلامه ورغائبه
سماؤه وكواكبه
إن كان قد ستر البلاد سهولها ووعورها
لم يسلب الزهر الأريج ولا المياه خريرها
كلا ولا منع النسائم في الفضاء مسيرها
مازال في الورق الحفيف وفي الصبا أنفاسها
والعندليب صداحه
لا ظفره وجناحه
مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات
إن التأمل في الحياة يزيد أوجاع الحياة
فدعي الكآبة والأسى واسترجعي مرح الفتاة
قد كان وجهك في الضحى مثل الضحى متهللا
فمن البشاشة والبهاء
ليكن كذلك في المساء
***
الطبيعة في شعره:
تحتل الطبيعة في شعر المهجريين عامة حيزًا كبيرًا، ذلك إنهم ينهلون من منابع المدرسة الرومانتيكية التي تتخذ من الطبيعة عالما لرؤاها وأحلامها ومنطلقًا لمثلها وآمالها ومهربًا تلوذ به من زيف المدينة وخداعها، ومصدرًا تستمد منه الخير والحب و الجمال. وهذه النزعة قوية في شعر أبي ماضي. فهو يستلهم الطبيعة الفرح ويجد عندها العزاء، ويستقي منها أفكاره ويتخذها معلما وواعظًا يرشده فالزهرة الفواحة والبلبل الغريد يجودان بالعطاء دون أن ينتظرا مكافأة من أحد:
عد الكرام المحسنين وقسهم بهما تجد هذين منه أكرما
يا صاح خذ علم الحبة عنهما إني وجدت الحب علما قيما
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا لولا الشعور الناس كانوا كالدمى
أحب فيغدو الكوخ كونًا نيرا وابغض فيمسي الكون سجنًا مظلما
وفي قصيدة الطين يتخذ من مجالي الطبيعة ومظاهرها أمثلة يحاجج بها كل مغرور بجبروته تياه بثرائه مستخلصا من ذلك فكرة المساواة بين الناس:
فلك واحد يظل كلينا حار طرفي به وطرفك أرمد
قمر واحد يطل علينا وعلى الكوخ والبناء الموطد
إن يكن مشرقا لعينيك إني لا أراه من كوة الكوخ أسود
ألك القصر دونه الحرس الشاكي ومن حوله الجدار المسند
فمنع الليل إن يمد رواقا فوقه والضباب أن يتلبد
أن طير الأراك ليس يبالي أنت أصغيت أم أنا أن غرد
والازاهير ليس تسخر من فقري ولا فيك للغنى تتودد
أن هذا التعلق بالطبيعة أكسب شعره غورًا رومانطيقيا دون أن يفقد سيطرة الواقعية، فنفذ من السعي إلى الجمال الطبيعي نحو الجمال الأخلاقي إذ نقل الحس إلى روائع الشمائل والمزايا النفسية.
الرمزية والقصة في شعره:
وجد أبو ماضي في الأساطير الشعبية و" الفولكلور الشرقي" نبعًا ثرا من الحكمة المحكية على ألسنة الحيوانات والجمادات وذخيرة وافرة من المثل الاجتماعية والخلقية. وافتن في التعبير عنها بالرمز أو القصة أو بالحكاية الشعرية متجنبًا- في أكثر الأحوال- طريقة الوعظ والتقرير التعليمي المباشر. وأمثلة ذلك كثيرة في قصائده من مثل:"الحجر الصغير"، "الضفادع والنجوم"، "الغدير الطموح"، " الكمنجة المحطمة"، " والتينة الحمقاء".
ففي قصيدة " الحجر الصغير" مثلا يرمز إلى فكرة المشاركة الاجتماعية وإن لكل شيء في الحياة- مهما قل شأنه- رسالة يؤديها وفي " الضفادع والنجوم" يرمز إلى فكرة الغرور وخداع النفس:
صاحت الضفدع لما شاهدت حولها في الماء أظلال النجوم
يا رفاقي يا جنودي احتشدوا عبر الأعداء في الليل التخوم
زعقة سار صداها في الدجى فإذا الشط شخوص وجسوم
مزق الفجر جلابيب الدجى ومحا من صفحة الأرض الرسوم
فمشت في سربها مختالة كمليك ظافر بين قروم
نحن لو لم نقهر الشهب التي هاجمتنا لأذاقتنا الحتوم
أيها التاريخ سجل أننا أمة قد غلبت حتى النجوم
وفي " التينة الحمقاء" يرمز الشاعر إلى فكرة الأنانية وما ينتج عنها من أخطار.
وبهذا فقد تحول كثير من قصائده إلى قصص، مع أن النواة في كثير منها فكرة أو خاطر فلسفي كقصيدة " الشاعر والملك"، " والدمعة الخرساء"، "وهي" التي تعبر عن أفضلية الأم عن كل امرأة على الوجود. وعلى الرغم من أنها ليست قصة بالمعنى الدقيق فأنها تعتمد على المفاجأة والتشويق فبعد أن أجتمع القوم في بيت صاحب الدعوة وشرب رب الدار نخب صاحبته وطلب إلى الأخريين أن يصنعوا صنيعه فامتثلوا إلا واحدًا رفض أن يشرب، فهزئوا به بقولهم" هل لك حسناء تحييها؟".
قال: أجل أشرب سر التي بالروح تفديني وأفديها
صورتها في القلب مطبوعة لا شيء حتى الموت يمحوها
لا تترضاني رياء ولا تلثمني كذبًا وتمويهًا
فأجفلوا كمن حية نهشته قد عز راقيها
وقالت الغادات أف له قد شوه المجلس تشويها
وقلقل الفتيان أسيافهم فأوشكت تبدو حواشيها
فصاح رب الدار: يا سيدي وصفتها ـــ لم لا تسميها؟
أتخجل باسم من تهوى؟
أحسناء بغير اسم؟
فأطرق غير مكترث
وتمتم خاشعًا: أمي
شعره بين الفلسفة والصوفية:
لقد كان لنزوح شعراء المهجر عن أوطانهم أثر بين في إذكاء روح الحنين لديهم، ومن ثم إحساسهم بالغربة... غربة الروح. فهم أبدًا يتطلعون بشوق غير محدود، للمجهول بنظرة تفيض بالقلق المبهم والحيرة الغامضة والتساؤل الملح، الذي قد يقود أحيانًا إلى خواطر فلسفية أو تحليق صوفي، كالذي نجده في شعر ميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي ولعل أبرز قصائد أبي ماضي التي تصور هذه النزعة هي "الطلاسم"، " ونار القرى". أما " الطلاسم" فهي خواطر مبعثرة يتفاوت فيها العمق الفلسفي إذ يثير الشاعر التساؤل والحيرة واللا أدرية:
إنني أشهد في نفسي صراعًا وعراكا
وأرى ذاتي شيطانًا وأحيانا ملاكا
هل أنا شخصان يأبى ذاك مع هذا اشتراكا
أم تراني واهما فيما أراه؟ لست أدري
بينما قلبي يحكي في الضحى إحدى الخمائل
فيه أزهار، وأطيار تغني وجداول
أقبل العصر فأمسى موحشا كالقفر قاحل
كيف صار القلب روضًا ثم قفرا؟ لست أدري
كلما أيقنت أني قد أمطت الستر عني
وبلغت السر سرى ضحكت نفسي مني
قد وجدت اليأس والحيرة لكن لم أجدني
فهل الجهل نعيم أم جحيم؟ لست أدري
أما قصيدة "نار القرى" فقد حاول أن يتجه بها محلقًا إلى الأعلى فلم يستطع. وهي من أكثر قصائده غموضا وأقربها إلى الرموز الصوفية:
كيف الوصول إليك يا نار القرى أنا في الحضيض وأنت في الجوزاء
بي ألف بآصرة تحن كما ترى لكن دونك ألف ألف غطاء
لو من ثرى مزقتها بين الثرى لكنها حجب من الأضواء
جنحتني كيما أطير فلم أطر هيهات إنك قد طويت سمائي
أسلوبه:
لم يخالف أبو ماضي أساليب التعبير العربية، ولم يخرج عن أوزان الشعر العربي المألوفة بقوافيها وتفاعيلها حتى في قصائده ذات التفاعيل والبحور المتعددة، وإن يكن قد جدد في صور الأوزان أحيانا كما رأينا في قصيدته " الطلاسم". أما لغته فلم تكن سليمة كل السلامة أول نشأته الأدبية إذ كانت ثقافته اللغوية والنحوية ضعيفة. إلا أن لغته على وجه العموم سهلة بعيدة عن التحذلق أو الابتذال. وعلى الرغم من أن شعراء المهجر كانوا يحملون على من يتمسك بالغة الشعر القديمة التي تمتاز بمتانة البناء ويتهمونهم بأنهم يعتنون بالألفاظ دون الأفكار، إلا أن أبا ماضي وقف من حيث العبارة موقفًا وسطًا بينهم وبين المتشددين، فكان أقل المهجرين ركاكة واستخفافا بقواعد اللغة وكان إلى جانب ذلك أطولهم نفسًا وأوفرهم مطولات.
ومهما يكن من أمر فإن أبا ماضي قد أطرف الشعر العربي بموضوعاته الجديدة التي تتسم بطابع إنساني يعالج مشكلات البشرية وآلامها وأحلامها. ولولا ما علق في شعره أحيانا من شوك المناسبات لاعتبرناه في عداد من كرسوا أنفسهم لفنهم تكريسا تامًا.
يقول عنه الدكتوران محمد يوسف نجم وإحسان عباس. "سيظل أبرز مثل في الشعر ةشاهد على تحقيق وحدة القصيدة وعلى الاعتدال والتوسط بين العناصر الشرقية والمؤثرات الغربية".



من مواضيعي :
الرد باقتباس