عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 17/02/2006, 07:29 PM
متوكل طه محمد احمد
مُشــارك
 
(الحياة الحب, والحب الحياة/ ايريك فروم

:eye: ارتقى الإنسان في كل شيء, فهل ارتقى في الحب? وهل مازلنا في حاجة إلى أناس يتحابّون أكثر مما يتناسلون?

(الحياة الحب, والحب الحياة!) هكذا يقول أمير الشعراء على لسان آخر الفراعنة, فهل كانت الحياة كلها حبّاً عند هذه الملكة التي يصوّرها المؤرخ القديم بلوتارك على أنها في قمة المقدرة على استخدامه كسلاح للإغراء, ويستمد شكسبير تصويره لها من كتاب هذا المؤرخ (حياوات), ويجعلها تخدع أنطونيو بوصفها له في حياته بأنه (أعظم جندي في العالم) - ولا نظن أنه كان هذا! - ويقول عنها - على لسان إينوباربوس, في مسرحيته: (لا يهن منها الهرم, ولا ينال الاعتياد من قدرتها التي لا حدّ لها على التنوّع!), أما برناردشو, والذي ركّز اهتمامه على علاقتها بيوليوس قيصر, فيصوّرها على أنها كانت فتاة بلهاء عندما اعتلت عرش مصر وهي في السابعة عشرة, وبقيت كذلك إلى أن لقيت مصيرها المأسوي بعد ذلك بنحو عشرين سنة, كان سلاحها أثناءها هو الإغواء, مع أنها لم تكن فاتنة بأي مقياس.

هل كانت هذه الملكة إغريقية الأصل, قادرة على الحب? لا نظن ذلك, فقد كانت الألوهية هي الصفة الغالبة على ملوك تلك الحقبة (ومازال بعض حكّام هذا الزمن الذي نعيشه يسبغونها على أنفسهم!), فكيف يقع الحب بين الآلهة وعامة الناس? إن هذا نفسه كان حجة الفراعنة في زواجهم من أخواتهم وبناتهم, إنه لا يجوز إنجاب الآلهة من أمهات من البشر?! حقّاً! وأعجبني رأي لباحث يقول إنهم لو مضوا على مدى القرون يتناسلون من أخواتهم لكانوا قد أنجبوا أجيالاً من العجزة والمشوّهين والمعتوهين, وإن الحقيقة هي أنهم كانوا يتقاسمون العروش وما تأتي به من أبّهة وسلطة - على طريقة وليم وهيلاري, أما (الحب), بالمعنى المشار إليه, فكان واحدة من الوظائف التي يمارسها الكهان - على طريقة راسبوتين. ويؤكد هذا الباحث أن امرأة في دهاء كليوباترا - وقد كانت داهية بمقياس الحب على الأقل, وكانت تتكلم لغات عدة - لا يمكن أن تكون دماؤها إغريقية تماماً, ونحن نعرف إنها تزوجت أخاها ثم قطعت رقبته, ثم لما رأت أن روما هي (العدو الذي ما من صداقته بد), فقد عاشرت بومبي الأب, ثم يوليوس قيصر, وأنجبت منه صبياً كانت تأمل أن تجعل منه إمبراطوراً فرعونياً, ولكن الذي حدث - بعد أن دفع يوليوس قيصر حياته ثمناً لطموحه - هو عكس ذلك, وهو أنها جاءت مصر بفرعون روماني هو أنطونيو, الذي لا ندري ما إذا كانت خيبته في الحب أفدح, أم وكسته أو نكسته في الحرب. راهنت كليوباترا على الحصان الخاسر هذه المرة, بعد أن أنجبت منه ثلاثة, شكسبير يجعلها تظهر الحزن على أنطونيو, وتعلن أنها سوف تنحدر إلى العالم الأدنى, (هاجرة عنصريها الآخرين, النار والهواء). هل كانت بذلك قادرة على الحب? ليس كما يراه الفيلسوف والعالم النفساني إيريك فروم, فالحب عنده ليس ارتباطاً بالمحبوب, إنه (سلوك إنساني) يقول في كتابه الشهير (فن المحبة): ليس الحب بصفة أساسية علاقة مع شخص معين. بل هو توجه يدل على علاقة الفرد بالعالم ككل, وليس شعوره نحو شيء أو شخص هو موضوع الحب, وإذا أحبّ شخص شخصاً آخر بمفرده, مستبعداً جميع البشر, فإن هذا لا يكون حبّاً, بل مجرد علاقة تعايش أو تضخيم لذات الفرد. ثم يمضي في وصف أنواع الحب: إن أهم نوع من الحب والذي هو خلفية لكل نوع آخر, هو الحب الأخوي, الذي أقصده بهذا هو الحسّ بالمسئولية والاهتمام والاحترام نحو كل كائن آخر, ثم: الحب الأخوي هو حب يتبادله الأكفاء, إلا أن الأكفاء ليسوا دائماً متساوين, وبوصفنا كائنات آدمية, فنحن في حاجة إلى العون, اليوم أنا, وغداً أنت, والحب الموجّه إلى مَن يحتاجون العون هو إذن مجرد بداية الحب الأخوي, والحب الحقيقي هو الذي يأتي خالصاً من حاجة الفرد إلى غيره, يمضي فروم معلقاً على سلفه سيجموند فرويد: إن اعتراضي عليه لا يأتي من مبالغته في واقعية الجنس, بل من أنه لم يستطع أن يفهمه, وهناك حاجة إلى ترجمة مفاهيم فرويد بحيث لا تنحصر في دائرة وظائف الأعضاء, بل تمتد إلى دائرة الحياة والوجود.

الحرمان والتعويض

بهذه المفاهيم, هل يستطيع القادة أن يحبّوا شعوبهم? كانت لدى فرويد نظرية في (التعويض) تقول إن الحرمان هو الذي يدفع أمثال حامورابي وبختنصر وهانيبال إلى نشر العنف والدمار, وللكاتب المسرحي الأمريكي روبرت شيروود مسرحية عنوانها (الطريق إلى روما) يتصوّر فيها أن هانيبال سحب جيشه من أوربا بعد ليلة قضاها مع زوجة القائد الروماني فابيوس, الأثينية (أميتس). التي رأت أن الحب هو خير دواء للحرب.

هل كانت كليوباترا تحب شعبها, أم مجرد الـ(أنا) - (تضخيم الذات)? نظن أنه لو كانت قادرة على الحب, لما حوّلت هذا الشعب إلى (ببغاء عقله في أذنيه), كما يقول شوقي, ولما جعلته (يملأ الدنيا هتافاً بحياتي قاتليه), ويقلب هزيمة (اكتيوم) إلى نكسة, لم تكن هناك حدود لعهر هذه المرأة, وقد صدق إينوباربوس فيما قاله عنها, السلطة, وما يصاحبها من ظواهر وبواطن النعيم والأبّهة (امتيازات الوظيفة) تجعل الحكام فيما يبدو, يفقدون القدرة على الحب, مما يحتم أن يقع لهم ما جرى لثلاثة رؤساء أمريكيين في قرن وربع, وقد بدأت عصا التأديب تمتد إلى دول مثل الفلبين وإندونيسيا, لو أن الحكام تعلموا فن المحبة, لانحلت مشاكل الدنيا كلها, من الإيدز إلى سخونة الكوكب.

(نمرة ثلاثة)

في قصة توفيق الحكيم, (عودة الروح), نجد الصغير محسن يصعد إلى السبورة بتكليف من مدرس الفصل, ليختار موضوعاً يناقش, فيكتب على السبورة (الحب), زلزلت الأرض زلزالها, ويتدارك الصغير أمره بسرعة, ويبدأ في كتابة أنواع الحب بالشكل الذي يهدئ من ثائرة الشيخ علي, وأيضاً من ضجيج التلاميذ الذي يجعله يحسّ بأنه قد يفقد وظيفته بسبب الحديث في موضوع كهذا, مع أنه موضوع أعداد لا نهاية لها من النصوص الشعرية والأدبية, وإلا فما الغزل, وما كثير عزة وجميل بثينة... إلخ? (حب الله عز وجل), هكذا يكتب, فيهبط السكون, ثم (حب الوالدين), ثم... (حب الجمال, الذي هو حب القلب), يعود التوتر وتتلاحق الأنفاس, وكان الشيخ قد هدأت ثائرته, ولكنه يصيح به (اشطب نمرة ثلاثة!).

هذا مع أن (نمرة ثلاثة) هو أساس كل شيء! لن نعرف لا واحداً ولا اثنين دون أن نوجد أولاً, ولكي نوجد, لابد من (نمرة ثلاثة)? نحن لم نوجد إلا عن طريق آدم وحواء, جرثوم من هنا وآخر من هناك, يتحدّان معاً ثم يأتي الغذاء عن طريق دماء الأم, نهر دافق منها ينهال على هذه الخلية إلى أن تنمو ويصبح هناك مخ وهيكل عظمي, ويا لها من معجزة تخلب اللب! ثم يخرج الوليد من ظلمة الرحم إلى نور الوجود, باكياً (لما تؤذن الدنيا به من صروفها) كما يقول ابن الرومي, ويتغذى على لبن الأم, وحتى لو تسلمته مرضعة أخرى, فهو نتاج لجسم الأم, نحن مصنوعون من أجسام الأبوين, هناك رابطة بيوكيميائية لا سبيل إلى انفصامها أبد الدهر, بعكس الرابطة التي بينهما, فهي قابلة لأن تتدهور, ولو أن قيس تزوج ليلى بدلاً من أن يجن لحرمانه منها, لكانت جميع الاحتمالات يمكن أن تقوم, قد تستمر العاطفة المشبوبة طيلة العمر, ولكنها - على الطرف النهائي الآخر - قد تتحوّل إلى بغضاء, مميتة, وجميع الدرجات توجد على مقياس الحب. وعلى أي حال, فالحب والكراهية ليسا ضدين أو نقيضين, إنهما درجتان قصويان للعاطفة نفسها, كما أن خمسين فوق الصفر وخمسين تحت الصفر كلتاهما تظهر في النشرة الجوية بوصفها درجة حرارة تقاس بالترمومتر نفسه. ولكن الإنسان لابد أن يكون شاذّاً أو مختلاً لكيلا يحب أبويه وأبناءه حبّاً ثابتاً ودائماً, وهو يضحي بالكثير من أجلهم ويتحمل أخطاءهم وإساءاتهم بشكل لا تدانيه في ذلك أي علاقة عاطفية أخرى. ما السبب? هل هي تلك الصلة البيوكيميائية? إشعاع متبادل من الـ(دي-إن-إيه)? لو كان الأمر كذلك لكان الذين يلتقون بأبنائهم أو آبائهم أو أمهاتهم دون أن يعرفوهم - يحسّون بهذه العاطفة, فقط هذا لا يحدث... فالحب عند الإنسان مرتبط بالوعي, بالمعرفة العقلية, نحن في واقع الأمر نتاج لثلاثة مؤثرات مختلفة تماماً ولكنها مترابطة ووثيقة تماماً في هذا الترابط: الغريزة, والعقل, والعاطفة, والإنسان في السنوات القليلة التالية لولادته يكون غريزياً تماماً, ويتعلق بمن ترضعه كائنة ما كانت, فهو لا يعي بوجوده أصلاً ولا يذكر شيئاً عن تلك السنوات الثلاث أو الأربع, ثم تبدأ قدراته العقلية والعاطفية تتكون, ولكن عواطفه الأولى تكون غريزية, فهو يحسّ بالخوف والغيرة والغضب وكل هذا, فقط بشكل غريزي وغير واع. وعندما ننمو ونتطور - سواء كأفراد منفصلين أو كجماعات مترابطة - فإننا لا نمارس أي شيء بالغريزة وحدها, نحن نرص الموائد ونحيطها بالجماليات والكماليات, ويلذ لنا أن يشاركنا فيها أحبّاؤنا, نحن إذن نأكل بالغريزة والعقل والعاطفة معاً, ونمارس التزاوج بهذا كله أيضاً, وإن كانت الدنيا لاتزال مليئة بحيوانات تمشي على قدمين, كل هذا يرتبط بالاكتفاء والتمدين الذي يأتي من التطور, فإذا وقعنا فريسة الجوع فقد يفترس بعضنا بعضاً.

تجارب العواطف البشرية

الرضيع الآدمي إذن لا يجرّب الحب ولا يعرفه إلا تعلقاً بمن تتعهده بالرعاية, ولو أخذ من والديه وأعطي لغيرهما فنحن نعرف ما يحدث, ونعرف أنه حدث للأمير أوديب مثلاً. صحيح إننا نعرف أيضاً إن هذه مجرد واحدة من الأساطير الكثيرة التي أبدعها أجداد كليوباترا وصنعوا منها أجيالاً من الدراما تكون منها معمل للتجارب على العواطف البشرية ومدرسة كبرى للدارسين, فقط لاتزال أحداثها قابلة لأن تحدث, ويعلم الله كم مليون مرة حدثت. رزق ملك طيبة لييوس وزوجته جوكاستا بوليد بعد طول انتظار, ولكن الوحي جاء من أبولو بما يفيد أن هذا المولود سوف يقتل أباه ويتزوج أمه عندما يكبر. نحن لا نلوم الملك على أنه صدق هذه النبوءة, فقط كيف لم يخطر بباله أنه لو قتل هذا الوليد - وهو ما حاول إتمامه وعاش مطمئناً إلى أنه تم فعلاً - فإن إمكان التخلص منه هو دليل قاطع على فساد هذه النبوءة! وعلى عدم ضرورة هذا الإجراء, ولكن الفظاظة عند الحكام هي توأم الجهالة والغباء, ليست السلطة والتحكم في مقدرات الشعوب هي التي تفسدهم كما يقال, إن الحاكم عندما يكون بهيماً يندفع وراء غرائزه لأن المثلث عنده يتكون من ضلع واحد هو الغريزة, أما العقل, فبليد والعواطف شوهاء منحطة.

نشأ الأمير - إذن - في كنف الملك بوليبوس وزوجته ميروب, في كورنثوس, على أنهما والداه, وعندما أحيط بأنهما ليسا كذلك, خبا حبه لهما في الحال, وهجرهما ووجهته دلفاي, حيث يستلهم أبولو عن حقيقة أبويه, وعندما وقع الشجار العنيف, بدأت أحداث النبوءة تتوالى. من سوفوكليس إلى سينيكا إلى توفيق الحكيم, كمٌ هائل من التراث الدرامي الرائع يأتي من التنويع على هذه الأسطورة البديعة, كل هذا يأتي من الفارق الهائل بين (نمرة اثنين ونمرة ثلاثة)! ما الذي يحدث لو أن امرأة أحبّت ابن زوجها? ما الذي يفعله الأب وهو ممزق بين الحب (العضوي) وعاطفة الغضب? عند راسين نجد الأب ثيسيوس يصب جام غضبه على ابنه هيبوليتاس, مع إنه كان مظلوماً في ادّعاءات الزوجة فيدرا, التي تضطر للانتحار, لابد من نهاية مأساوية لمثل هذا الموقف الذي يقع فيه (حب القلب) في غير موقعه الصحيح, أما عند زولا - بعد ذلك بقرون, وقد قامت الممثلة الأمريكية جين فوندا بهذا الدور في الدراما السينمائية, فإن الأب الفرنسي الحديث يتداول الأمر بعقله لا بغريزته, مع أن الحب كان متبادلاً بين الأب وزوجة أبيه, إنه يغريه بكل وسيلة ليبتعد عنها ثم يدمّرها بكل ما يملك من وسائل, ومن هنا يأتي العنوان: (الفريسة).

ما الذي يحدث عندما تحب الزوجة رجلاً آخر, ولا تكتفي بذلك, بل تتآمر على قتله? أيهما أقوى? الغضب لمصرع الأب المحبوب? أم الانتماء (العضوي) للأم المحبوبة هي أيضاً? عند سوفوكليس نرى الكترا تقف خارج القصر وتصيح محرّضة أخاها: اضرب أقصى قوة لديك! والأسطورة تقول إن عقاب الأم الخائنة بالموت هو إرادة الآلهة, إذ مَن الذي يستسيغ أن تقدم الابنة على قتل أمها, وهي عند يوروبيدس لا تكتفي بتحريض أخيها, بل تسهم في توقيع العقاب: (كم سأظهر عطفي عليك وأنا آخذك بجريرة قتل أبي! تُرى أي وحي من أبولو ذلك الذي يجعل قدري أن أكون قاتلة لأمي), و (إن بغضنا لهذه الأم لا يعادله إلا حبّنا لها), يا له من مستنقع من العواطف الآدمية, وإن كنا لانزال في دائرة الملوك, وقبل أن نخرج منها, ومن عائلة أجاممنون المنكوبة, سنجد هاملت, أمير الدانمارك, في موقف مشابه, ينتهي هو أيضاً بمذبحة مروعة تشمل أمه الملكة جرترود, وزوجها الحالي, كلودياس. فإذا نقلنا هذا الموقف المحيّر إلى الزمن الحديث, عند يوجين أونيل, بطل العالم في الظلمة والقتامة, نجد الضابط (مانون) يعود من الحرب الأهلية لكي تكاشفه زوجته كريستين (نظيرة كليتمنسترا) بأنها تحب رجلاً آخر هو (آدم برانت), وهو هنا يموت بالنقطة وليس بالسلاح أو السم, ولكن الابنة, وهي لافينيا (الكترا الأمريكية) تعتبر هذا جريمة قتل. أونيل يركز شرور الدنيا كلها في الأم التي تموت كمدا هي الأخرى عندما تسمع بموت عشيقها, والتي كانت الابنة منجذبة إليه هي أيضاً (أتظنين أنك قد أصبحت حرّة لكي تتزوجي آدم?! لن يحدث هذا وأنا حيّة, وسأجعلك تدفعين ثمن جريمتك, إليّ يا أبي, لا تتركني وحدي, قل لي ماذا أفعل?) وهو في مسرحيته (رغبة تحت أشجار الدردار), يجري تنويعاً على فيدرا, وكما فعل في الكترا, فإن (إيبى بوتنام) كنظيرتها (كريستين مانون), تنحدر إلى درك غير مسبوق من الفظاظة والبشاعة, كلتا المرأتين تنطبق عليها مقولة إريك فروم, كلتاهما تحب معشوقها حبّاً غريزياً عن كل حب آخر, (إيبي) تقتل وليدها لمجرد أن تثبت لابن زوجها - إيبن كابوت - أنها لم تتزوجه بقصد الانجاب فقط! أونيل بنزعته هذه يخرجنا من دائرة الفاجعة الدرامية ليدخلنا عالم الجنون. تظل هذه الحبكات الدرامية - سواء في صورها القديمة التي ترجع إلى ألفين وخمسمائة سنة, أو في تنويعاتها الجديدة, تظل تعبيراً عن حيرة الفكر الإنساني في طبيعة الحب, وعن النزعة إلى التعبير الاستطيقي والتصوير الجمالي للقضايا الفكرية والعاطفية عند الإنسان.

كما أسلفنا - يعلم الله كم مرة حدث هذا في الحياة الحقيقية: كازانوفا, ملك ملوك الغرام ومضرب المثل في كل زمان ومكان, ومعشوق النساء في كل أنحاء أوربا طوال القرن الثامن عشر, أقدم على الزواج مرة واحدة في حياته, عندما تقابل مع فتاة وقع في هواها لأول وهلة, ويروي في مذكراته أنه... (أحسّ كأنه يعرفها)!, وعندما ذهب معها ليقابل أمها, صاحت به معشوقته القديمة: (جاكومو! هذه ابنتك)! إلى هذا الحد يرتبط الحب عند بني الانسان بالوعي, حتى عند كبار المحبّين.

بماذا نحب?

بقلوبنا طبعاً... أليس هذا هو مضمون عالم لا نهاية له من الشعر والقصص والغناء? ألسنا عندما ننفعل, تتسارع دقات قلوبنا تعبيراً عن شعورنا بالغضب أو الخوف, أو... الحب? بكل اللغات, نجد البشر يضعون مَن يحبّونهم في حنايا قلوبهم, وفي لغتنا, نجد كلمة (الحب) وكلمة (القلب) تنتهيان بالحرف نفسه, (الروي), كما يسمّيه العروضيون, وهكذا فإنه في كل أغنية فيها (مذهب) من شطرين أحدهما هذا يكون الثاني هو ذاك. عدا أغنية ليلى مراد: (يا طبيب القلب, بقيت حبيب القلب)! يظن مَن يسمعها أن الشاعر قد ارتكب مخالفة تكرار الكلمة من أجل القافية, وهو بريء تماما, فكلمة (القلب) في الشطر الأول تدل على (مضخة ماصّة كابسة مزوّدة بصمّامات تنفتح وتنقفل لتزويد الأعضاء بالدورة الدموية), طبيب القلب, مع احترامنا ودعائنا بالتوفيق, عمله لا يتجاوز صيانة وإصلاح هذه الآلة الميكانيكية - أما في الشطر الثاني, فالقلب هو الجهاز الذي نستخدمه في الحب. وقد عشنا لنرى قلوب الناس تُنزع من صدورهم وتستبدل بها قلوب أناس آخرين, دون أن يشعروا فجأة بأن عواطفهم قد انصرفت عن أحبّائهم إلى أشخاص لا يعرفونهم. وفي دنيا الحكام - مادمنا قد أتينا على ذكرهم, ونحن كارهون - رأينا (الزعيم) الكونجولي مويس تشومبي (يأكل قلب خصمه باتريس لومومبا, دون أن يتغير أي شيء, لا فيه, ولا في الكونغو.

ما بقية أنواع الحب? لاشك أن قائمة محسن ينقصها الكثير. الحب الأخوي مثلاً, الحب القومي مثلاً, نحن نرى الناس يقبلون على الموت راضين, مفضّلينه على الحياة الذليلة, هذا هو ما حدث في (اكتيوم) - بينما كليوباترا تمارس الحب, حب ماذا? حب ذاتها والمجد الزائف, قصة كل يوم هذه! الناس يهلكون, والحكام يتفرّجون, لأنهم - لفقدانهم الوعي, عاجزون عن الحب.

هل هناك حب (جماهيري)? بمعنى أن الجماعات تتبادل الحب كما يتبادله أعضاؤها?, من حيث إن الجماعة تتكون من أفراد تنبض قلوبهم بالحب, فهي إذن قادرة على الحب, وبكل تأكيد, فهي أكثر قدرة على البغضاء والحقد والكراهية, مجرد حادث يقع من هنا أو من هناك, ويقوم الخطباء بإشعال الفتنة, كما فعل بروتس وبعده أنطونيو يوم اغتيال قيصر, أو تطلع الجرائد والإذاعات تحرص على البغضاء, ووراء الستار يكمن هذا الشيء الذي يحكم مصائرنا جميعاً ويتلاعب بعواطفنا ويحيلنا إلى رقعة شطرنج يلعبه أناس أغلبهم - لن نقول كلهم - لا يعرفون قواعد اللعبة. لماذا يفعلون بنا هذا? تفسير هذا عند جورج أورويل, كما يقول في روايته الشهيرة (1984): الحرب هي السلام, الحرب في خارج البلد هي السلام في داخله, والصراع مع قوة خارجية, فرصة عظمى ومبرر لا يدحض, لكل ممارسات القمع والإذلال, وعلى رأسها حبس كل مَن يجرؤ على أن يرفع صوته فوق صوت المعركة, خصوصاً إذا كانت أم المعارك! وهو أيضاً مبرر عظيم لإنشاء جهاز للتجسس, يتجسس على كل الناس, إلا العدو.

إذا كان الحب والكراهية, والغضب والاحتمال, والغيرة والتعاطف - إذا كانت هذه كلها درجات على المقاييس نفسها, فإن الشعوب يمكنها أن تتبادل الحب, فهو ليس نقيضاً للبغضاء, وفي تاريخ أوربا - على سبيل المثال فقط, نجد شعوباً مضت تمارس العداء قروناً طويلة ثم أصبحت الآن مترابطة ومتعاطفة. هل كان هذا نتيجة للوعي? جزئياً على الأقل. كانت الحرب العالمية الثانية صداماً بين إيديولوجية تقول بسيادة الجنس الآري, وبالتالي بأحقيته في أن يتعامل مع بقية الأجناس على إنها كائنات أدنى. وأخرى تقول إن الوجود هو للمادة الصمّاء فقط, وهل أفخاخنا - لم يذكروا شيئاً عن قلوبنا - هل هي سوى قطع من المادة الصمّاء هذه? إذا كنا مجرد (خامات) - كالفحم والحديد, فلا داعي إذن للتفرقة بين العاملين في مصنع, وبقية موجودات المخازن. أدى الغوص في أعماق الذرة وفي أنحاء الفضاء, إلى إظهار مدى بطلان هذه النظرية الساذجة, وأدى اكتشاف (الجينوم) وما سبقه من بحوث في سلالات البشر, إلى نبذ نظرية أكثر سفها وخرافة, وهي تمايز الأجناس. وكان من أروع الأمثلة ما حققه الزنوج الأمريكيون في مجتمع ذاقوا فيه من الاستعباد والإذلال ما يملأ الآن مكتبات بأكملها ويشكّل تراثاً تاريخياً وفكرياً لتلك الأمة - وهذا بقيادة زعيمهم العظيم, القس الشاب مارتن لوثر كنج, بالدعوة إلى الامتياز والحب, وليس بالطنطنة الجوفاء والسفه المقيت.

الحب... قوة أم ضعف?

كنت أشاهد إحدى قنوات التلفزيون العالمية, وكان يجري حديث مع رئيسة إحدى دويلات البلطيق, التي كانت من أرقى بلاد العالم إلى أن داستها أقدام النازيين في بداية الحرب العالمية الثانية, ثم أقدام الروس الذين حوّلوها إلى جمهوريات سوفييتية داخل الستار الحديدي, وكانت لتوانيا أسبقها إلى إعلان الانفصال في عصر جورباتشوف وتلا ذلك انهيار هذه الإمبراطورية الشريرة. سألها مذيع البرنامج: هل يحس شعبكم بالمرارة? وكانت الإجابة: المرارة ترف لا نقدر عليه.

من أكثر فئات البشرية استحقاقاً للإحساس بالمرارة الزنوج الأمريكيون, قبل تحريرهم من الرق, كان محظوراً على الفرد منهم أن يتعلم القراءة والكتابة, فإذا علّمه أحد عوقب على ذلك, أما هو - الذي تعلم - فإن أصابعه تقطع, مثل أي أقلية مضطهدة, ظهرت من بينهم قيادات تدعو إلى الانتقام من المجتمع, سواء بالعنف والنسف... إلخ, كالفهود السوداء كما كانوا يسمّون أنفسهم, أو الانضمام إلى الحركات الشيوعية, أو الانتساب لديانات أخرى, إلى أن اتضح أن الرأسمالية المهذّبة, بعد صدور تشريعات حقوق العمال والتأمينات وبيئة العمل... إلخ, قد حققت للمجتمع مالم يعرفه الناس من قبل, من الرخاء والحرية والمعرفة, وأصبحت المؤسسة لا تعبأ كثيراً بأي صوت يعلو فوق صوت البورصة, وأن استمرار العداء - كما فعـل الهنـود الحمر - لن يؤدي إلا إلى المصير نفـسه: الفناء العددي والحضـاري.

هذه الفقرة من السيرة الذاتية لمارتن لوثر كنج, وهو قسيس وأصغر مَن حاز جائزة نوبل: (عندما بدأت أغوص بعمق في فلسفة المهاتما غاندي, أحسست بأن ما كان لديّ من شكوك في قوة الحب قد بدأ يتناقص. وبدأ مفهوم (ساتيا جراها) يكتسب عندي دلالة بالغة العمق. (ساتيا) تعني الحقيقة, التي هي الحب, (جراها) هي القوة, وهكذا فإن ساتيا جراها هي قوة الحقيقة أو قوة الحب, كنت قبل ذلك قد توصلت إلى أن أخلاقيات المسيح, وفلسفة أحب أعداءك وأدر خدك الآخر لا تنطبق - فيما تصوّرت - إلا على الصراع بين الأفراد, أما بين الجماعات, فالأمر يستلزم سلوكاً أكثر واقعية, ولكنني بعد أن قرأت غاندي, أدركت إلي أي حد كنت مخطئاً في ذلك. ولعل غاندي هو أول إنسان في التاريخ يتمكن من أن يرتفع بأخلاقيات الحب عند المسيح إلى ما فوق مجرد التفاعل بين الأفراد, ويجعل منها قوة اجتماعية فعّالة وطاغية, كان الحب عند غاندي أداة عظيمة القوة والفاعلية في سبيل التحوّل الاجتماعي, والذي كنت أسعى إليه من الرضاء الفكري والمعنوي, باحثاً عنه في مذهب المنفعة عند بنتام وستيوارت مل, وفي المنهج الثوري عند ماركس ولينين. ونظرية العقود الاجتماعية عند هوبز, والرجوع إلى الطبيعة في تفاؤلية روسو, وفلسفة الإنسان الفائق عند نيتشه, كل هذا لم أجده إلا في فلسفة المقاومة السلمية عند غاندي).

وقد مات الدكتور كنج مقتولاً برصاص التعصّب كما وقع لأستاذه غاندي, ولكن قيادته القائمة على التنوير وعلى الانتماء, استمرت إلى أن أصبح يوم مولده عيداً قومياً يحتفل به مَن سبق أن طاردوه وأودعوه السجون, وإلى أن تربّع الزنوج الأمريكيون على عروش الرياضة العالمية, وخلقوا عالماً جديداً من موسيقى الجاز, وظهر من بينهم شعراء مثل لانجستون هيوز, وكتّاب مثل ريتشارد رايت وجيمس بولدوين, قائمة طويلة تدل على أن البشرية في حاجة إلى الامتياز أكثر منها إلى الشعارات, وإلى الإسهام في المعرفة والفنون والحضارة أكثر منها إلى الغازات السامّة وإلى وسائل القهر والتعذيب.

هل ارتقينا في الحب?

يفتتح العقاد كتابه المعروف (الله) بالقول إن الإنسان قد ارتقى في العقيدة الإلهية كما ارتقى في العلوم والصناعات, وحقاً, قد ارتقى في كل شيء, كما ارتقى في المعرفة وثمارها, كان لابد أن يتأمل الكهنة المصريون في الأفلاك والأجرام السماوية لكي يدرك أخناتون أن الشمس ليست هي الله, وكان لابد أن تأتي الطاقة الآلية لكي نتخلص من العبودية وتجارة الرقيق, وكان لابد أن تكتشف الأمصال والمضادات لكي تحد من التعاسة التي كانت تأتي من موت النساء في الولادة وفقدان الأطفال. وقد ارتقى الإنسان في الحب أيضاً, فالحب الإنساني لا يأتي إلا ونحن واعون, ولابد للفرد أن يكون آمناً من خوف, وشبعان من جوع ليفكر في غيره. كان هذا هو طريق شعوب أوربا إلى ما نراه الآن من ترابط وتعاون من أجل حياة كريمة للفرد الإنساني.

العالم الثالث في حاجة إلى أقوام يتعلمون أكثر مما يتناسلون, وإلى قادة يستمعون أكثر مما يهرفون, ويدركون أكثر مما يتفلسفون.




من مواضيعي :