عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 03/01/2006, 12:27 AM
صورة لـ Brave+Heart!
Brave+Heart!
مُتـواصل
 
قصة الحُب والجنون



في بداية الزمن، حيث لا شيء بعد يوجد. عندما لم يبدأ الوقت بعد، لأنه لا أحد بعد اخترع شيئا ليعمل بحسابه. حيث الإنسان لم يخلق بعد. في نصف الكون تجتمع الفضائل والرذائل لتغزوا لاحقا - وفي وقت متأخر - البشرية بكميات متفاوتة.
تقضي الفضائل والرذائل كل يومها تتناقش وتتشاجر، محرضة فوق كل ذلك من طرف الغيض والنزاع. تتناقش حول من سيسكن جسم الإنسان، أهي الفضائل أم الرذائل؛ لكنها لم تتفق، إذ ذهب البعض مع هيمنة الفضائل في الإنسان في حين ذهب البعض الآخر مع هيمنة الرذائل.

وبما أنها لم تتفق، فقد أتت الجنون المجنون فكرة بدت له ذكية. وهو يقفز وسط الجمع قال:
ـ أنا لدي فكرة، فكرة لفك النزاع.
بقي الكل ينتظر، بينما يركض الجنون دون مناسبة، وهو يقفز من كل جانب قال:
ـ فكرة عبقرية، دون شك لن تفشل. أجل، أجل، أجل.
وفي هذا الصدد فكر الهم المهموم في الواقع:
ـ ترى ما هي تلك الفكرة الجيدة التي امتلكها هذا الجنون؟.
واستمر الجنون في الوثب والقول:
ـ أملكه.! أملكه !

تمكن الهم أخيرا من السؤال و هو يزداد حماسا، مدفوعا من طرف الفضول:
ـ إسمع، وما هي هذه الفكرة الجيدة جدا؟.
قفز الجنون مرة بعد أخرى ثم قال:
ـ سهلة جدا، سهلة جدا، سهلة جدا. يتعلق الأمر بلعبة.
بما أن الجنون استمر في القفز ولم يبدو منه أنه سيضيف شيئا، سأله الهم:
ـ وما هي هده اللعبة؟.
ـ قال الجنون: سهلة جدا، لعبة عبقرية ومسلية. إنها لعبة الإختباء.
أجل كذلك بقي الهم متحمسا؛ وبما أنه لم يسطع تحمل حماسه قال:
ـ وأي شيطان من اللعب تلك؟.
ـ قال الجنون وهو يدور حول الهم: سهلة جدا، سهلة جدا، سهلة جدا. يقوم أحد منا بالعد من واحد إلى مائة، مع إغماض العينين ووضع الرأس على جدع كبير. بينما يركض الآخرون للاختباء أينما استطاعوا. ثم يذهب الذي يعد للبحث عنهم؛ فإذا كان آخر من وجد فضيلة، تكون اذن الفضائل هي التي ستسكن الإنسان بالأغلبية، وإذا كان آخر من وجد رذيلة تسكن الرذائل اذن الإنسان بالأغلبية.
تدخل واحد وقال:
ـ وإذا كان آخر من وجد زوج من فضيلة ورذيلة؟.
فكرالجنون قليلا ثم أجاب:
ـ بسيط جدا. تكون القسمة بالتساوي.
فكر الذكاء الذي اعتبر نفسه إلى ذلك الحين الأكثر ذكاءً:
ـ عجبا لهذا الأبله. ما الذي حدث لهذا الجنون. لماذا لم يحدث لي أنا؟.
إذ ذاك تساءل الهم:
ـ ومن الذي سيعد؟.
قال الحنان:
ـ تحرك يا جنون، لقد حدث لك أن أتيت بفكرة جيدة، أليس من الأفضل أن تكون أنت الحاسب؟.
ـ موافق، موافق، موافق. قال الجنون.
وذهب إلى جذع شجرة لبدء الحساب:
ـ سبعة وعشرون، إثنان وأربعون، أربعة عشر، ستون...
ركضت كل الفضائل والرذائل للاختباء.
أمسكت العدالة بيد الحقيقة، لأن الحقيقة دائما ترافق العدالة، وذهبا إلى أن وصلا نهرا يمر من هناك عن قرب. كان نهرا ذا مياه زجاجية صافية، فقالت العدالة:
ـ سنختبئ هنا، لكي يقولوا فيما بعد إن العدالة غير واضحة.
واختبأت العدالة في جوف النهر مع الحقيقة.
أمسك الحلم بيد الحنان وبقفزات صغيرة ذهبا للإختباء وراء سحابة وردية. وهناك بدءا برسم السحاب بصبغة بنفسجية، حمراء، ووردية وزرقاء. ولهذا السبب تمتلئ سماء الأمسية بالسحاب المختلف الألوان.
أمسك الشبق بيد العاطفة وصعدا معا جبلا للإختباء به؛ لكن وبمرة، بدأت الحرارة بالصعود والصخور تحمى وتغرق إلى أن ولّدت العاطفة والشبق بركانا في ذلك الجبل.
الكسل لم يتحرك من مكانه. بسبب النوم الذي يراوده، لم يكلف نفسه عناء الإختباء؛ فاختبأ وراء مصطبة هناك غير بعيد.
وهكذا اختبئوا كلهم باستثناء اثنين.
ـ ثلاثة وثلاثون، ثمانية وخمسون، سبعة...
الحسد كعادته يريد أن يعرف أين اختبأ الآخرون فبقي هناك في الوسط.
ـ سبعة وسبعون، ستة وثمانون، واحد وخمسون...
الحب هو الآخر لم يختبأ، لأنه متردد ولا يعرف أين سيختبأ.
يقترب الجنون من نهاية العد:
ـ ثمانية وتسعون...
لم يعرف الحب ولا الحسد أين سيختبآن. رأى الحسد شجرة صنوبر فصعد إلى قمتها.
ـ تسعة وتسعون...
في آخر لحظة رمى الحب بنفسه في نبات ورد أحمر لم يختبأ به أحد لكونه مملوءًا بالأشواك.
ـ و مائة!.
دار الجنون وبدأ في البحث عن رفاقه.
ـ علامة للإخلاص!. الإخلاص لإخلاصه لم يكن قد تحرك من جانب الجنون.
علامة للأمل!. عن قرب اختبأ الأمل ظنا منه أنه لن يجدوه.
ـ علامة للجهل!. الجهل لضلاله خرج للسؤال:
ـ ماذا نلعب؟.
ـ علامة للشراهة التي تأكل الحلوى!.
ـ علامة للتكبر!.
خرج التكبر غاضبا وقال:
ـ لقد اختبأت جيدا. هنا وجدتني من المتأخرين أليس كذلك؟، جيد، لقد اختبأت جيدا!.
ـ علامة للتواضع!.
اقترب التواضع من الجنون وقال له:
ـ الحقيقة انك وجدتني خيرا كثيرا.
ـ علامة للكسل!.
استمر الكسل في نومه الحلو رغم ما يقوم به الجنون من و ثب وقفز.
وصل الجنون إلى النهر ذا المياه الزجاجية، نظر في جوفه فرأى الحقيقة والعدالة ثم صاح:
ـ الحقيقة والعدالة هناك في الأسفل!.
بعد أن رأت العدالة أن أمرهما قد كشف، خوّضت قاع الوادي وعكرت المياه حتى لا يتمكنوا من رؤيتها مجددا ثم قالت للحقيقة:
ـ ابقي أنت هنا، أنا سأذهب واقنع الجنون بعدم رؤيتك.
عملت الحقيقة بكلامها وبقيت هناك في الأسفل، بينما خرجت العدالة تجري وراء الجنون، تجري وتجري إلى أن اقتربت منه فتعثرت بصخرة ووقعت فأصيبت في كعبها، بالرغم من ذلك وقفت واستمرت في ركضها تعرج، لكن الجنون كان قد وصل عندما وصلت إليه.
ولهذا تعرج العدالة، لكنها تصل دائما. ومنذ ذلك الحين لم تُرى الحقيقة في أي مكان.
ركز الجنون على الجبل الذي تحول إلى بركان والذي اختبأت فيه العاطفة مع الشبق.
ـ يا للفظاعة!. قال الجنون وذهب لتحري الأمر.
وهكذا صعد الجنون إلى منحدر البركان وأطل من خلال الفوهة؛ وهناك في الأسفل، في رف صخرة تكشف العاطفة والشبق كل دلالاتهما. خجل الجنون منهما وقال وهو ينظر إلى جانب آخر:
ـ علامة للعاطفة والشبق، هناك في الأسفل يقومان بأشياء قبيحة!. ثم ذهب يجري تاركا إياهما غير مباليان، منشغلان بأعمالهما.

بعد ذلك نظر الجنون إلى الأفق ورأى سحابا ملونا في شكل تنينات وفيلة وأميرات وعفاريت وقصور ثم فكر:
ـ هذه الأشياء تشبه أشياء الحلم، إذا كان الحلم هناك فإن الحنان لن يبتعد كثيرا.
وبالفعل، صعد الجنون إلى السحاب وهناك رأى الحلم يحكي القصص للحنان، ثم اقترب أكثر فوجد السحاب يأخد أشكال ما يحكيه الحلم.
وبما أنهما مشغولان، لم يرد الجنون ازعاجهما فكتب في سحابة: علامة للحلم والحنان!. ثم ذهب.

اكتشف الجنون الكل باستثناء اثنين: الحسد والحب (وبالرغم مما قالته العدالة، فللجنون فكرة عن مكان وجود الحقيقة. المجانين مجانين لكنهم ليسو حمقاء). لم يعد الجنون يعرف أين سيبحث عن الغائبين فنظر إلى السماء لطلب العون، وهكذا بدا له الحسد على شجرة الصنوبر.
ـ علامة للحسد!.
الحسد، حسود لأنهم لم يجدوا الحب بعد، فهبط من أعلى الشجرة ثم قال:
ـ الحب مختبأ في هذا العوسج.
قلب الجنون العوسج فلم ير بداخله الحب، لأن الحب يصعب إيجاده أحيانا.
ـ ابحث جيدا، إنه هناك. قال الحسد.
أبعد الجنون العوسج بكلتا يديه لكنه لسع:
ـ أي!
الحب أحيانا يؤذي دون قصد.
ـ ابحث جيدا، أنا متأكد من أنه هناك. قال الحسد.
لم يعد الجنون يعرف ماذا يفعل فأخذ مذراة بسنين وبدأ في وخزالعوسج إلى أن سمعت أخيرا صيحة مدوية:
ـ آآآآآآآآآآآآآآآآآه ه ه ه!.
خرج الحب من العوسج بمحجرين فارغين، ملطخين بالدماء.
لقد فقأت عيني آآآآآه لم أعد أرى شيئا ما فعلت بي . . . صاح الحُب بالجنون ماذا فعلت ؟
الجنون لم يعد يعرف ماذا يفعل، الكل ينظر إليه، أحس بنفسه مذنبا فعاهد الحب مند ذلك الوقت على أن يكون له دليلا.
ومنذ ذلك الزمان والحب أعمى يرافقه الجنون.




من مواضيعي :