عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 14/08/2015, 09:28 PM
خالد الرفحاوي
نشيـط
 
هل يخرج العراق من غرفة الإنعاش

لطالما دفع العراق ثمن الجيوبوليتيك على مرّ تاريخه. الديموغرافيا البشرية تحددت منذ عهد بعيد في هذه البقعة من الأرض، فهو خلاصة لجيرانه قومياً وقبلياً مشاهدة مباراة روما اليوم ودينياً ومذهبياً واجتماعياً. وهو جسر للنزاعات بين الخليج وإيران وساحة للصدام بين العرب وأول حضارة مجاورة احتكوا بها قبل الإسلام. ومن الناحية الثقافية، لا يزال العراق يعاني من نزاعات وأزمات تعود إلى الجذور الثقافية التي صنعت شخصية الفرد العراقي ومخاوفه.
هذه المقدمة تفسير لورطة العراق المستمرة، فالعرب يريدونه مشاهدة مباراة برشلونة اليوم بوابة شرقية ضد إيران. والإيرانيون يريدونه امتداداً طبيعياً لتاريخ قديم جداً منذ عهد بابل وسوسة. والأتراك يريدونه عثمانياً، بما في ذلك الولاء المذهبي، وبالتالي فان إحياء النزاع الشيعي السني سيكون مناسباً لهذه الرغبة.
لكن البروتستانتية انتصرت وأصبحت دولاً. ولم تنهزم الكاثوليكية رغم حرب المئة عام وحرب الثلاثين عاما والمذابح الشهيرة.
في العام الماضي وبعد سقوط الموصل، رحبت كل الدول مشاهدة مباراة برشلونة واتلتيك بلباو، المتعادية في ما بينها، برئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي. وفي رأيي كان اكثر الرؤساء العراقيين حظاً، لكن أنيطت به مهمات بعضها ممكن تحقيقه وبعضها يدفعه إلى أن يحاول مسك العصا من الوسط، وبعضها الآخر يدفعه إلى الانحياز ضد هذا الطرف أو ذاك.
ويعاني العبادي المشكلة نفسها التي أوقعت المالكي في صناعة الأزمات. فهو محكوم بفريق عمل حزبي غير مهني سياسياً وإدارياً، سبب للمالكي من قبله، أزمات كثيرة وصعّد تحدياته واستعدى جميع القوى وتنصل من كل الاتفاقات. فعلى سبيل المثال، أضاع في نيسان (أبريل) الماضي موظف صغير في مكتبه فرصة لتحسين العلاقات المصرية- العراقية خارج الإطار الرسمي حين اتصل بي سائلاً عن الموضوع بتكليف من العبادي نفسه، فقرر على الهاتف مباشرة وبعد منتصف الليل، أن الأمر ليس مهماً.
وفي قضية مشابهة، أخبرني أحد الوزراء الأسبوع الماضي أن السفير المعين على حصته في إحدى الدول الأوروبية المهمة، هو أكفأ الدبلوماسيين العراقيين، في حين أنني كنت وسيطاً لمشكلة بين السفير وبين الجالية العراقية أقامت فيها السفارة دعوى على ممثل الجالية لأنه رفض إهانته من موظفة في السفارة. والسر يكمن في أن هذا السفير يرعى أعمال ذلك الوزير التجارية.
هذا يكشف الاختلاف العميق في المفاهيم، فما هو مرفوض من الشعب مقبول لدى السياسيين، وأكثر من ذلك، فان المطلوب هو ما يقومون به، بغض النظر عن رفض المواطنين له. هذه هي العلاقة بين النظام والعراقيين.
أما المثال العام على هذه العلاقة المتناقضة فهي مشكلة الكهرباء، إذ تبدو الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية عاجزة تماماً حيال تفاقم مشكلة الكهرباء التي تصاعدت الاحتجاجات بشأنها إلى حد إطلاق النار على المتظاهرين في البصرة. وتعجز الحكومة عن توفير الرواتب والأجور لملايين العراقيين مثلما تعجز عن حل مشكلة النفايات حتى في المدينة المقدسة للشيعة مشاهدة مباراة روما واشبيلية وهي النجف، بينما لم يتوقف الفساد ونهب الأموال والممتلكات العامة.

مشكلة كردستان
وأمام هذه المشكلات يبرز إقليم كردستان على أنه المشكلة التي تتعقد يوماً بعد يوم. فالإقليم صعّد نزعته الانفصالية في كثير من الإجراءات، بدءاً من تصدير النفط والاحتفاظ بريعه، وانتهاء بالتبشير على أعلى المستويات بأن العراق انتهى مع صورة لقائد كردي ظل جالساً بعناد واستخفاف، بينما يقف الجميع أثناء عزف السلام الجمهوري العراقي في ازدراء رخيص للرمز الوطني.
بعد أقل من عام على رفعه بحملة تأييد محلي وإقليمي ودولي، يواجه العبادي مشكلات مع الجميع، مثل سلفه المالكي، فالتحالف الوطني الذي ينتمي إليه يتهمه باتخاذ قرارات دون الرجوع إليه. أما تحالف القوى السنية فقد جال مع أياد علاوي على السفارة الأميركية وممثلية الأمم المتحدة شاكياً العبادي وطالباً إطاحته. ومن الواضح أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي يعيق إجراءات العبادي وقرارته ويعرقل التخلص من آخر قراراته في أواخر أيامه رئيساً للوزراء، وخاصة في مجال تعيين رجال المالكي في مناصب مهمة مثل البنك المركزي وأمانة مجلس الوزراء. ولا يزال الصراع سياسياً على الحصص والمغانم دون وجود أي مطلب بتحسين الخدمات أو إعادة بناء الدولة أو الاتحاد ضد «داعش» التي قسمت العراقيين على الهوى السياسي والطائفي والمناطقي.
أما المصالحة الوطنية فلا أحد يؤيدها. وحين عرضت مقترحاً يخص المصالحة الوطنية على إحدى الكتل السياسية لتتبناه، طلب أحد قادتها أن أغير المصطلح إلى الوحدة الوطنية. فلا الشيعة يرون فائدة في مصالحة تضعف أغلبيتهم. ولا السنة يدعمون مصالحة تنهي شعارهم بتهميش السنة. ولا البعثيون يوافقون على مصالحة تعترف بانهيار نظامهم. أما الأكراد فهم غير معنيين بها و يستضيفون قوى وشخصيات ترفض المصالحة أصلاً.
كما أن الولايات المتحدة لم تقم بأي جهد حقيقي لإنجاز المصالحة. بل أنها لم تتجاوب مع مشاريع للمصالحة قُدمت لها على رغم أنها تشترط المصالحة على كل رئيس وزراء عراقي، فهي تستخدمها لإضعاف مواقف الجميع ولإبقاء التوتر قائماً في الحياة السياسية العراقية.
في خضم هذه الأزمات يصب العراقيون جام غضبهم على الأوضاع وعلى الطبقة السياسية من خلال فايسبوك. وتأخذ مشكلة الفساد حجماً كبيراً من اهتمامهم يعادل اهتمامهم بأزمة الكهرباء والحر الشديد وتصريحات النواب التي تكشف عن جهل سياسي واضح. ولذلك اخترع العراقيون على صفحات التواصل الاجتماعي مصطلح «سياسي الصدفة» على النواب والوزراء. ويأخذ دعم الحشد الشعبي حيزاً كبيراً من اهتمام الشيعة وينشرون كثيراً من الفيديوات عن عملياته العسكرية. كما يكشف فايسبوك حجم الضحايا من الشباب الملتحقين بالحشد وذلك من خلال الرثاءات والصور وافتخار العشائر بشهدائها.
وفي ظل هيمنة الطقوس الدينية والعشائرية وممارستها قوانينها الخاصة، لا تبدو الطبقة المدنية الوسطى قادرة على النهوض، وتكتفي بالمطالبة بالدولة المدنية دون وجود أساس اجتماعي واقتصادي لها في ظل اقتصاد يتدهور ويفقد هويته. فلا هو اقتصاد السوق ولا هو اقتصاد القطاع المختلط ولا هو اقتصاد الدولة الرأسمالية. وبحجة الاحتفاظ بسعر صرف الدينار تجاه الدولار، تربح المافيات المالية التابعة للأحزاب السياسية ملايين الدولارات يومياً، رغم أن فقرة في الموازنة العامة لسنة ٢٠١٥ حددت مبلغ ٧٥ مليون دولار يومياً لشراء الدينار من جانب البنك المركزي بعد أن كان ٢٠٠ مليون دولار يومياً. وقبل أسابيع خاضت المصارف التي تملكها الأحزاب الرئيسة معركة فارق سعر الصرف وجنت ملايين الدولارات برفع سعر الدولار مرة وبرفع سعر الدينار مرة أخرى. وقدرت إحدى منظمات الشفافية الدولية وجود ٢٢٠ مليار دولار خارج العراق هي ملكية عدد من السياسيين العراقيين.
أما شركات الاتصال، خاصة الخليوي، فهي ملك الأحزاب الكردية في إقليم كردستان والأحزاب العراقية في الوسط والجنوب. وهي تهرب بلايين الدولارات سنوياً إلى الخارج حتى في ظل الإفلاس الحالي وهبوط أسعار النفط وعجز الحكومة عن دفع رواتب موظفيها بمن فيهم المتقاعدون.
http://goo.gl/LwSGEA
http://goo.gl/ybeYdf




من مواضيعي :
الرد باقتباس