عرض مشاركة مفردة
  #10  
قديم 20/06/2015, 11:03 AM
صورة لـ صابر حجازى
صابر حجازى
الاديب المصري
الاديب المصري
 
تابع : بحث شامل عن شهر رمضان الفضيل


ثالثاً:
من آداب العيد:


يوم
العيد هو يوم فرح للمسلمين و سرورهم، ففيه يتجملون و يلبسون أحسن الثياب، و فيه
يتزاورون و يتبادلون التهاني و التبريك بهذا اليوم المبارك، و يدعون ربهم أن يعيد
عليهم من بركاته، و أن يعود عليهم مرات بعد مرات، و هم في غاية النصر و التمكين و
الهناء، و العيش الرغيد و الحياة السعيدة، و فيه يعودون المرضى و يتواصلون
الأرحام، و يجتمع الأقارب و يتلاقون بعد طول الغيبة.


و
يجوز فيه إظهار شيء من الفرح و المرح و اللهو المباح، ففي الصحيح عن عائشة رضي
الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم و عندي جاريتان من
جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث و ليستا بمغنيتين، فاضطجع على
الفراش و حوَّل وجهه، و دخل أبو بكر فانتهرني، و قال: أمزامير الشيطان في بيت رسول
الله صلى الله عليه و سلم، و ذلك في يوم عيد. فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه
و سلم فقال: "دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً و هذا عيدنا". فدل على
أنه يباح لمثل عائشة سماع شيء من الشعر الذي فيه ترويح عن النفس و جلب للفرح و
الانبساط إذا لم يكن فيه شيء من التمطيط و التكسير و التهييج بما يثير الغرائز و
يدفع إلى اقتراف الفواحش، و لهذا قالت: "و ليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن
يعرف الغناء الذي يحرك الساكن و يبعث الكامن، كالذي فيه وصف الخدود و القدود و
الخمر و نحو ذلك.





و
في الصحيح أيضاً عنها قالت: و كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق و الحراب فقال صلى
الله عليه و سلم: "تشتهين تنظرين" فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على
خده، و هو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: "حسبك"، قلت:
نعم، قال: "فاذهبي" قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على
اللهو. رواه سالبخاري في عدة مواضع، و هو دليل على جواز اللعب بالسلاح على طريق
التواثب للتدرب على الحرب و التنشيط عليه، لما فيه من تمرين الأيدي على آلات
الحرب، و فيه أن للعيد خصوصية بمثل هذا التدرب و التمرن على آلات الحرب و تعلم
كيفية حملها.








رابعاً:
صفة صلاة العيد:


لا
خلاف أنها صلاة معتادة، يشترط لها الطهارة و سائر شروط الصلاة، إلا أنها لا يؤذن
لها و لا يقام، بل يكتفى بمعرفة وقتها، و هو بعد خروج وقت النهي، أي بعد ارتفاع
الشمس قيد رمح، و يخرج بزوال الشمس، فإن لم يعلموا بالعيد إلا بعد وقتها صلوها من
الغد قضاء.


و
لا خلاف أن صلاة العيد ركعتان، إلا أنه يفتتح الأولى بسبع تكبيرات، و الثانية بخمس
تكبيرات غير تكبيرة القيام، و يرفع يديه مع كل تكبيرة، و يقول بين كل تكبيرتين من
الزوائد:


(الله
أكبر كبيراً، و الحمد لله كثيراً، و سبحان الله بكرة و أصيلاً، و صلى الله على
محمد النبي الأمي و على آله و أصحابه و سلم تسليماً كثيراً).


و
إن أحب قال: (سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله، و الله أكبر).


و
يقرأ بعد التكبيرات بالفاتحة وسورة، و المستحب أن يقرأ بسبح و الغاشية، أو يقرأ
بقاف و اقتربت الساعة، و يجهر بالقراءة.


و
إذا سلم خطب خطبتين يجلس بينهما كما في الجمعة، يحثهم في الفطر على صدقة الفطر و
على العمل في ذلك، و يبين لهم في الأضحى أحكام الأضحية و سنتها.


و
في الصحيح عن البراء أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب فقال: "إن أول ما نبدأ
من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا" و في حديث
أنس: "من ذبح قبل الصلاة فليعد". و في حديث البراء: "من صلى صلاتنا
و نسك نسكنا فقد أصاب النسك، و من نسك قبل الصلاة فلا نسك له". و النسك هو:
ذبح الأضحية.


و
في حديث أبي سعيد عند البخاري: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج يوم
الفطر و الأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس،
و الناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم و يوصيهم و يأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً
قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف".


ولم
يكن يصلي قبل صلاة العيد في موضعها لا قبلها و لا بعدها، لكن إن صليت في المسجد
الجامع جاز أن يصلي قبلها ركعتين كتحية للمسجد، لكن السنة الصلاة خارج البلد. و لم
يتخذ النبي صلى الله عليه و سلم منبراً في مصلى العيد، و إنما كان يخرج بالحربة
فتركز قدامه كسترة.



و
يشرع لمن فاتته أن يقضيها، فقد ذكر البخاري عن أنس أنه أمر مولاه فجمع أهله و بنيه
و صلى بهم كصلاة أهل المصر و تكبيرهم، و قال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين.





خامساً:
الفرق بين صلاة عيد الفطر و صلاة عيد الأضحى:


ليس
هنا فرق في نفس الصلاة، فكل منهما تُصلى ركعتين، و فيهما التكبيرات الزوائد و ما
يقال بينها.


لكن
يُسن في الفطر أن يأكل قبلها تمرات وتراً، و لا يأكل في الأضحى إن ضحى، حتى يأكل
من أضحيته.


و
يُسن التبكير بصلاة الأضحى لأجل الاشتغال بالأضاحي، و عكسه الفطر فيؤخرها قليلاً
ليتمكنوا من الأكل، و من التأهب للصلاة بالنظافة و التجمل.


و
أما في الخطبة: فإنه في الفطر يذكرهم بفضل ذلك اليوم، و أنه يوم الجوائز، و فيه
ينصرف المقبولون قد غفر لهم، يرشدهم إلى الطاعات و يحثهم على الاستكثار من صالح
الأعمال، و يحذرهم من المعاصي و يبين لهم آثارها.


أما
في الأضحى: فإنه يذكر لهم حكم الأضحى و أصلها و فضلها، و ما يجزئ فيها و ما لا
يجزئ، و وقت الذبح و كيفية التوزيع للحم، و يرشدهم أيضاً إرشادات عامة بهذه
المناسبة.








سادساً:
حكم خروج النساء لصلاة العيد:


في
الصحيح عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج العواتق و ذوات الخدور، و يعتزل الحيض
المصلى. و عن جابر رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه و سلم يوم الفطر
فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن و هو يتوكأ على يد
بلال، و بلال باسط ثوبه يُلقي فيه النساء الصدقة.. صدقة يتصدقن حينئذ: تُلقي فتخها
و يلقين، قلت: أترى حقاً على الإمام ذلك و يذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، و ما لهم
لا يفعلونه؟.





و
في الصحيح عن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه و سلم كأني أنظر إليه حين
يُجَلِّسَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النساء معه بلال، فقال: ((يا أيها النبي
إذا جاءك المؤمنات يبايعنك))(الممتحنة:12). ثم قال حين فرع منها: "آنتن
على ذلك؟" قالت امرأة منهن: نعم. قال: "فتصدقن" فبسط بلال ثوبه، ثم
قال: هلم لكن فداء أبي و أمي، فيلقين الفتخ و الخواتيم في ثوب بلال. و في رواية
قال: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، تكثرن اللعن و تكفرن العشير".





و
في حديث أم عطية قالت: يا رسول الله على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا
تخرج؟ فقال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير و دعوة المسلمين".
و في رواية: "ليخرج العواتق و ذوات الخدور و الحيض، و يعتزل الحيض المصلى، و
ليشهدن الخير و دعوة المؤمنين".


و
هذه الروايات في الصحيحين أو أحدهما، و كلها تفيد استحباب خروج النساء حتى الحيض،
و لكن لابد أن تؤمن الفتنة، و أن لا يخرجن بلباس جمال و زينة ظاهرة، فقد قالت
عائشة رضي الله عنها: لو رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أحدثه النساء
لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل .


و
لعل ذلك ما يلبسنه من الثياب و ما يبدو منهن من الزينة و الجمال، فقد ورد في الإذن
للنساء بالصلاة في المساجد قوله: "و ليخرجن تفلات".


و
لا شك أن الأمر قد تفاقم، و قد تضاعف ما كان في وقت عائشة، و كثر في نساء هذا
الوقت المباهاة في الحلي، و إبداء الزينة، و إظهار المحاسن، فالله المستعان.





نكرات
تقع في يوم العيد:


1- إحياء
ليلة العيد:


لا
شك أن إحياء الليل بالصلاة و القراءة و التعبد و الدعاء و التضرع عبادة و قربة، قد
ندب الله إليه و حث عليه في آيات كثيرة، و أن قيام ليالي رمضان من أسباب المغفرة
و كذا قيام ليلة القدر.


فأما
ليلة العيد فلم يرد في إحيائها فضل، و لا حث الشرع على تخصيصها بقيام أو قراءة،
فمن خصها بالإحياء وحدها دون ما قبلها و ما بعدها فقد ابتدع و شرع من الدين ما لم
يأذن به الله، لاعتقاده أنه سبق الصحابة و أهل السنة، و تفوق على سلف الأمة، فيدخل
في قول النبي صلى الله عليه و سلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
رد". أي مردود عليه.


لكن
إذا كان الرجل من عادته قيام الليل طوال السنة أو أكثرها، فإن ليلة العيد تدخل في
ذلك.





-
اختلاط النساء بالرجال في مصلى العيد و غيره:


و
هذا من المنكر الذي يجب السعي في إزالته، لما فيه من إثارة الفتنة و الدعوة إلى
اقتراف الفاحشة، فإنَّ قُرْبَ المرأة من الرجال مما يلفت أنظارهم نحوها، مهما حاولوا
التعفف و الصدود، فإنه يقع في الغالب من ينظر إلى النساء أو يحاول القرب منهن
والاحتكاك بهن، ثم مخاطبتهن و مبادلتهن الكلام إن تمكن من ذلك، كما يحصل من
الاختلاط في الأسواق و المستشفيات و غيرها.


فالواجب
الفصل بين الرجال و النساء، و أن يجعل لهن مواضع تخصهن، و أبواب يدخلن و يخرجن
معها، سيما في الحرمين الشريفين، و قد تقدم قول عائشة رضي الله عنها: لو شهد رسول
الله صلى الله عليه و سلم أو لو رأى ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد، كما منعت
نساء بني إسرائيل أي من الزينة و اللباس و الطيب و الجمال الذي يفتن الرجال إلا من
حفظه الله.





-
الاجتماع على الغناء و الرقص و بعض المعاصي لإظهار الفرح:


هناك
من يجعل يوم العيد و الأيام بعده أيام لهو و لعب و غناء و طرب، و يجتمع الخلق
الكثير و يعملون ولائم و ينفقون الأموال الطائلة في إصلاح الأطعمة، و يسرفون في ما
يصرفونه من الأموال في اللحوم و الفواكه و أنواع المآكل التي يعدونها للمغنين و
أهل الزمر و اللهو، و يستعملون الضرب بالطبول و إنشاد الأغاني الملحنة الفاتنة، و
ما يصحبها من التمايل و الطرب، و يستمر بهم هذا الفعل بضعة أيام، حتى إنهم يسهرون
أكثر الليل و يفوتون صلاة الصبح في وقتها و جماعتها.





و
لا شك أن هذه الأفعال تدخل في التحريم، و تجر إلى مفاسد ما أنزل الله بها من
سلطان، و تدخل في اللهو الذي عاب الله أهله بقوله تعالى: ((و من الناس من يشتري
لهو الحديث))(لقمان:6). و في الوصف الذي ذم الله به أهل النار بقوله: ((الذين
اتخذوا دينهم لهواً و لعباً و غرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء
يومهم هذا))(الأعراف:51).





فننصح
من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، و أن يحرص على حفظ وقته فيما
ينفعه، و أن يبتعد عن المعاصي و المخالفات، و أن لا يقلد أهل اللهو و الباطل و لو
كثروا أو كبرت مكانتهم.





-
الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان:


يعتقد
كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه و التخلص منه، لأنه
يحول بينهم و بين ملذاتهم و مشتهياتهم، و يفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت
عليها نفوسهم، و اعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر حبس و حيلولة
بينهم و بين ما يشتهون، و قد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: ((و حيل بينهم و بين ما
يشتهون))(سبأ:54).





قال
ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: و لربما ظن
بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات
قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، و لهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، و تسمى تنحيساً و
اشتقاقه من الأيام النحسات.. و ذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب
صيامهم، و هذا كله خطأ و جهل ممن ظنه، و لربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات
المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، و هذا هو الخسران المبين، و أنشدهم لبعضهم:


إذ العشرون من شعبان ولت
فواصل
شرب ليلك بالنهــار


و لا تشرب بأقداح صغـار
فإن الوقت ضاق
على الصغار


و
قال آخر:


جاء شعبان منذراً بالصيـام
فاسقياني
راحاً بماء الغمــام





و
من كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله تعالى: ((و لقد ذرأنا
لجهنم كثيراً من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها))(الأعراف:170) ، و ربما
تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، و كان
للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً:


دعاني شهر الصوم لا كان من شهر
و لا صمت شهراً بعـده آخر الدهــر


فلو كان يعديني الأنام بقــــدرة
على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر





فأخذه
داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر.


و
هؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا
في رمضان، و لا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو
يعد الأيام و الليالي ليعود إلى المعصية، و منهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو
يواقعها في رمضان أ. هـ. هكذا ذكر ابن رجب رحمه الله عن أهل زمانه و من قبلهم.


و
لا شك أن الدين يزداد غربة و الأمر في شدة، و الكثير من هؤلاء الذين يتوقفون
ظاهراً عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر و انصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم
برجوعهم إلى دنياهم و ملاهيهم و مكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن
يحزنون و يستاؤون لاقضاء الشهر؟!، بل من الذين يجعلون السنة كلها صيام و قيام و
عبادات و قربات، و يحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات؟!! فالله
يرحمهم فما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم
و نزلت بالبيداء أبعد منزل




من مواضيعي :
الرد باقتباس