عرض مشاركة مفردة
  #6  
قديم 20/06/2015, 10:55 AM
صورة لـ صابر حجازى
صابر حجازى
الاديب المصري
الاديب المصري
 
تابع : بحث شامل عن شهر رمضان الفضيل


استحباب
زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر:


ورد
في حديث عائشة: "أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا دخل العشر، أحيا ليله، و
أيقظ أهله، و جَدَّ". و الجدّ هو: بذل الجهد في طلب الطاعات، أو في فعلها،
أي: بذل ما يمكنه من الوسع.


و
ذلك يستدعي أن يأتي الطاعة بنشاط، و رغبة، و صدق و محبة. و يستدعي أن يبعد عن نفسه
الكسل، و الخمول، و التثاقل، و أسباب ذلك، ففي أي شيء يكون هذا الجدّ؟


*
الجد في الصلاة؛ فيصلي في الليل و النهار ما استطاع.


*
و الجد في القراءة؛ أن يقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر و خشوع و قلب حاضر.


*
و الجد في الذكر؛ أن يذكر الله و لا ينساه، و لا زال لسانه رطباً بذكر الله.


*
و الجد في الدعاء؛ أن يدعو ربه تضرعاً و خفية و أن يكثر من الدعاء.


*
و الجد في الأعمال الخيرية المتعددة من النصائح والعبادات، و ما أشبه ذلك.


*
و الجد في العلم و التعلم و ما يتصل بذلك، أي الاجتهاد في الأعمال كلها.





إيقاظ
الأهل في العشر الأواخر:


و
يدخل في ذلك أمر الأهل -و هم الأولاد و النساء- بالصلاة، فيستحب للمسلم أن يوقظ
أهله بهدف الصلاة، و أن يذكرهم بفضلها.


و
كان السلف رحمهم الله يوقظون أهليهم حتى في غير رمضان. و كان عمر رضي الله عنه إذا
كان آخر الليل أيقظ أهله كلهم، و أيقظ كل صغير و كبير يطيق الصلاة، و كان يقرأ قول
الله تعالى: ((و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها))(طه:132).


يستشهد
بهذه الآية على الحرص على صلاة النافلة، و ذلك دليل على محبة الصحابة و السلف رضي
الله عنهم للإكثار من أعمال الخير في الليل و النهار.





لذلك
يتأكد على المسلم أن يوقظ أهله و إخوته، و أولاده و نساءه، و من يتصل به، و من له
ولاية عليه، يوقظهم لأجل أن يقوموا في هذه الليالي الشريفة. فهي ليال محصورة، إنما
هي عشر ليال، أو تسع ليال إذا لم تكتمل ليالي الشهر إلى ثلاثين ليلة بأن كان الشهر
ناقصاً يوماً، فلا تفوت على الإنسان الباحث عن الخير أن يغتنمها، و يستغل أوقاتها.





و
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: "إذا قام الرجل للصلاة و أيقظ أهله
فصليا كُتبا من الذاكرين الله كثيراً و الذاكرات".


و
قد وردت أحاديث بفضائل كثيرة في إيقاظ الأهل في مثل هذه الليالي و غيرها.





إظهار
النشاط و القوة في العشر الأواخر:





ثبت
عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان في ليالي العشر يغتسل كل ليلة بين العشائين أو
بعد العشاء، و القصد من هذا الاغتسال أن يأتي الصلاة بنشاط بدن، و من نشاط البدن
يأتي نشاط القلب.





و
من احترام هذه الليالي و تعظيمها أن النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته كانوا
يتجملون لهذه الليالي فيلبس أحدهم أحسن ثيابه، ليكون ذلك أيضاً أنشط لبدنه، و أنشط
لقلبه، حتى إن كثيراً منهم يتجملون في هذه الليالي بثياب لا يلبسونها لغيرها.





و
مما يفعلونه للنشاط و القوة استعمالهم للطيب في البدن، و في الثوب، و في المساجد،
فكانوا يستعملون النضوح، و النضوح هي: الأطياب السائلة حتى يكون الإنسان طيب
الريح، و يكون بعيداً عن الروائح الكريهة لأن الملائكة تحب الريح الطيب، و تتأذى
مما يتأذى منه ابن آدم، و كذلك يطيبون مساجدهم بالنضوح، و بالدخنة التي هي
المجامر.





فمثل
هذه مما تكسب النشاط في البدن، و النشاط في القلب، و متى كان القلب و البدن نشيطين
لم يملّ الإنسان و لم يكل، و متى كان البدن كسولاً ضعف قلبه، و ملّ من العبادة، و
كسل عنها.


و
كثيراً ما يذم الله تعالى أهل الكسل، كما ذكر الله تعالى ذلك في وصفه المنافقين
بقوله تعالى: ((و إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى))(النساء:142).


فالمسلم
يأتي بالأعمال التي تحبب إليه العبادة و تجعله منشرح القلب، مقبلاً عليها بكليته،
غير غافل و لا ساه، بعيداً عن كل ما يلهي القلب و يشغله عن طاعة مولاه عز و جل.





تحري
ليلة القدر في العشر الأواخر:





يرجع
سبب فضل ليالي العشر إلى أن فيها ليلة القدر؛ يقول النبي صلى الله عليه و سلم في
حديث سلمان الطويل في فضل شهر رمضان: "شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم
خيرها فقد حرم".



و
هذه الليلة قد أخفي العلم بعينها، فلم يطلع الله عليها أحداً من خلقه، و السبب في
ذلك طلب الاجتهاد في بقية الليالي، فإنهم لو علموا عينها لناموا في بقية الليالي،
و قاموا هذه الليلة وحدها، ولم يحصل لهم زيادة الأعمال، فإذا أبهمت في هذه الليالي
فإنهم يجتهدون، فيقومون في كل ليلة جزءاً رجاء أن يوافقوها، فكلما جاءت ليلة قال
أحدهم: أرجو أن تكون هذه هي الليلة التي هي خير من ألف شهر، فيقومها. فإذا جاءت
الليلة التي بعدها قال: قد تكون هذه، إلى أن تنتهي أيام العشر، فيحصل على أجر
كثير، و تتضاعف له الحسنات، و يكون ممن عبد ربه عبادة متتابعة، لا عبادة منقطعة
قليلة.





أما
تعيين تلك الليلة فقد اختلف فيها اختلافاً كثيراً، حتى وصلت الأقوال فيها إلى أكثر
من أربعين قولاً كما في فتح الباري. و كلها ليست بيقين.


فمنهم
من قال: إنها ليلة إحدى و عشرين، و استدل بأن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
"إني رأيت في صبيحتها أني أسجد في ماء و طين". قال أبو سعيد راوي
الحديث: فأمطرت السماء فوكف سقف المسجد، فانصرف النبي صلى الله عليه و سلم و على
جبهته أثر الماء و الطين.





و
رجّح الإمام الشافعي ليلة إحدى و عشرين لهذا الحديث.


و
منهم من قال: هي ليلة ثلاث و عشرين، و استدل بأنه صلى الله عليه و سلم حث على قيام
السبع الأواخر مرة، ثم قال: كم مضى من الشهر؟ قالوا: مضى ثنتان و عشرون، و بقي
ثمان، قال: بل مضى ثنتان و عشرون وبقي سبع، فإن الشهر لا يتم، اطلبوها الليلة.
(يعني ليلة ثلاث و عشرين) ذكره ابن رجب في الوظائف.





و
منهم: من رجح ليلة أربع و عشرين، و ذلك لأنها أولى السبع الأواخر، و استدل بأنه
صلى الله عليه و سلم لما رأى كثير من أصحابه ليلة القدر في السبع الأواخر قال:
"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فتحروها أو قال: فمن كان متحريها
فليتحرَّها في السبع الأواخر". و السبع الأواخر أولها ليلة أربع و عشرين إذا
كان الشهر تاماً.





و
منهم من قال: إنها تطلب في ليالي الوتر من العشر كلها؛ و ذلك لأنه صلى الله عليه و
سلم قال: "التمسوها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان". و الوتر هي
الليالي الفردية.


و
بالرجوع إلى ما مضى فليالي الوتر هي ليلة إحدة و عشرين، و ثلاث و عشرين، و خمس و
عشرين، و سبع و عشرين، و تسع و عشرين. فهذه أوتارها بالنسبة إلى ما مضى.


و
إذا قلنا: إنها بالنسبة إلى ما بقي فهي الليلة الأخيرة التي ما بعدها إلا ليلة
واحدة. و ليلة ثمان و عشرين، و ليلة ست و عشرين، و ليلة أربع و عشرين، و ليلة
اثنتين و عشرين.


و
على هذا تكون ليالي العشر كلها محلاً للطلب و الالتماس.





فضل
ليلة القدر:





ذكر
الله سبحانه و تعالى أن ليلة القدر خير من ألف شهر، و معنى ذلك أن الصلاة فيها أفضل
من الصلاة في ألف شهر، و العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر.


روي
أنه صلى الله عليه و سلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهر، فتعجب من
ذلك الصحابة رضي الله عنهم و قالوا: كيف تبلغ أعمارهم إلى ذلك؟ فأنزل الله
هذه الليلة -أي ليلة القدر- حيث العبادة فيها خير من الألف شهر التي حمل فيها ذلك
الإسرائيلي السلاح في سبيل الله. ذكره ابن رجب و غيره.


و
على كل حال فإن هذا فضل عظيم. و من فضل ليلة القدر أيضاً أنها سبب لغفران الذنوب،
و أن من حُرم خيرها فقد حرم.





قيام
ليلة القدر:


قيام
ليلة القدر يحصل بصلاة ما تيسر منها، فإن من قام مع الإمام أول الليل أو آخره حتى
ينصرف كتب من القائمين. و قد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم صلى ليلة مع أصحابه أو
بأصحابه، فلما انصرفوا نصف الليل قالوا: لو نفلتنا بقية ليلتنا، فقال: "إن
الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". رواه أحمد و غيره، و
كان أحمد يعمل به.





و
قولهم: (لو نفلتنا ليلتنا): يعني لو أكملت لنا قيام ليلتنا و زدنا في الصلاة حتى
نصليها كاملة، و لكنه صلى الله عليه و سلم بشرهم بهذه البشارة، و هي أنه من قام و
صلى مع الإمام حتى يكمل الإمام صلاته، كتب له قيام ليلة. فإذا صلَّى المرء مع
الإمام أول الليل و آخره حتى ينصرف كتب له قيام تلك الليلة، فحظي منها بما يسر
الله، و كتب من القائمين، هذا هو القيام.


و
قيام ليلة القدر يكون إيماناً و احتساباً كما في قول النبي صلى الله عليه و سلم:
"إيماناً و احتساباً".





و
الإيمان هو: التصديق بفضلها، و التصديق بمشروعية العمل فيها. و العمل المشروع فيها
هو الصلاة، و القراءة، و الدعاء، و الابتهال، و الخشوع، و نحو ذلك.. فإن عليك أن
تؤمن بأن الله أمر به، و شرعه، و رغب فيه، فمشروعيته متأكدة.


و
إيمان المرء بذلك تصديقه بأن الله أمر به، و أنه يثيب عليه.


و
أما الاحتساب: فمعناه خلوص النية، و صدق الطوية، بحيث لا يكون في قلبه شك و
لا تردد، و بحيث لا يريد من صلاته، و لا من قيامه شيئاً من حطام الدنيا، و لا
شيئاً من المدح، و لا الثناء عليه، و لا يريد مراءاة الناس ليروه، و لا يمدحوه و
يثنوا عليه، إنما يريد أجره من الله تعالى، فهذا هو معنى قول الرسول صلى الله عليه
و سلم: "إيماناً و احتساباً".





و
أما غفران الذنوب فإنه مقيد في بعض الروايات بغفران الخطايا التي دون الكبائر، أما
الكبائر فلابد لها من التوبة النصوح، فالكبائر يجب أن يتوب الإنسان منها، و يقلع
عنها و يندم. أما الصغائر فإن الله يمحوها عن العبد بمثل هذه الأعمال، و المحافظة
عليها، و منها: صيام رمضان، و قيامه، و قيام هذه الليلة.


و
يستحب كثرة الدعاء في هذه الليلة المباركة، لأنه مظنة الإجابة، و يكثر من طلب
العفو والعافية كما ثبت ذلك في بعض الأحاديث، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت:
يا رسول الله، إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟، قال: "قولي: اللهم
إنك عفوٌ كريم تُحب العفو فاعف عني".


و
العفو معناه: التجاوز عن الخطايا، و معناه: طلب ستر الذنوب، و محوها و إزالة
أثرها، و ذلك دليل على أن الإنسان مهما عمل، و مهما أكثر من الحسنات فإنه محل
للتقصير، فيطلب العفو فيقول: يا رب اعف عني. يا رب أسألك العفو.


و
قد كثرت الأدعية في سؤال العفو، فمن ذلك دعاء النبي صلى الله عليه و سلم بقوله:
"اللهم إني أسألك العفو و العافية، و المعافاة الدائمة في الدين و الدنيا و الآخرة".





و
كان بعض السلف يدعو فيقول: "اللهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا، فاعف عنا".


و
يقول بعضهم شعراً:


يا
رب عبدك قد أتاك، و قد أساء، و قد هفا


حمل
الذنوب على الذنوب الموبقات و أسرفا


يكفيه
منك حياؤه من سوء ما قد أســلفا


رب
اعف عنه، و عافه فلأنت أولى من عفا




فهذا القول و نحوه دليل على
أن الإنسان مهما عمل فغاية أمنيته العفو و التجاوز والصفح عن الذنوب والخطايا، و
سترها و إزالة أثرها.




من مواضيعي :
الرد باقتباس