الموضوع: الفجر المظلم
عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 25/12/2011, 10:26 AM
صورة لـ حسام الحق
حسام الحق
خليــل
 
الفجر المظلم

الليل.. الظَّلام.

إذا سألتَ أيَّ شخص عن الليل، فأوَّل ما يجيبك به عنه: الظَّلام.

ولكن عن أيِّ ظلام يتحدَّثون؟! كل مدن العالَم تشتعل ضياءً، لا فارق كبيرًا بين ليلٍ ونهار؛ هكذا عشت طويلاً حتَّى حلَّ في مدينتنا الظَّلام.

كنت أعيش كأيِّ إنسان؛ لدينا شمسٌ تُشرق فيما كنَّا نسمِّيه النهار, وعندما تودِّعنا، كانت تَتْرك لنا أنيسًا لطيفًا كنَّا نسمِّيه القمر.

في هذه الأوقات كنا نسمِّي هذا الوقت السَّاحر: اللَّيل، لَم يكن لدينا أبدًا ظلام، كنَّا نسبح في أضواء المصابيح، واللاَّفتات العملاقة، وواجهات المتاجر، ما كانت تسمح لهذا المَدْعو: الظَّلام أن يحلَّ في مدينتنا، كان ضيفًا غير مرغوب فيه.

كان اللَّيل يعني لنا انتهاءَ العملِ، والسَّهرَ والانطلاق في شوارع سراييفو الساحرة، عفوًا؛ التي كانت ساحرة.

كان لا يحلو لنا التسكُّع إلاَّ في الليالي القارصة, عندما يهبط اللَّيل على الأرض المخمليَّة الرائعة البياض، كان الكلُّ يتواري من شدَّة البرد، فتخلو لنا الشوارع.

ما أحلى مذاق الثُّلوج فوق الشِّفاه المرتعشة، والبرد يتسلَّل إلى مخِّ عظامك! كانوا يسمُّوننا مجانين الثُّلوج، ولكنَّني لم أكن أَذْكر ظلامًا.

الآن، عرفتُ الظَّلام جيدًا، لقد طاب للظَّلام المقامُ في سراييفو؛ صار الظَّلام جزءًا عزيزًا من مدينتنا، جزءًا غاليًا من حياتنا.

نشتاق إليه عندما يودِّعنا فجرًا، ونحنُّ إليه طوال اليوم، ننتظره كما ننتظر الغطاء الثَّقيل لِيَضمَّنا هو والسرير، ما أحلى أن يكون لديك سرير!

الظلام في سراييفو يَعني ما هو أكثر من الظلام، إنَّه يعني الحياة، عندما تستطيع أن تتَوارى عن أعين القنَّاصة، ولا تتوقَع قذيفةٌ من السَّماء تقتلعُ سقفَ بيتك، والأهمُّ بالنسبة لي ألاَّ ترى طفلاً جديدًا مدرجًا في الدِّماء!

كنت أظنُّ أنَّ دماء البشر واحدة، لكنَّني الآن أجزمُ أنَّ دماء الأطفال مختلفة؛ لقد تذوَّقتُ الدِّماء، ومشيتُ في الدِّماء، وبِتُّ اللَّيل بطوله في بركة من الدِّماء، ما عُدت أخشى رؤيةَ الدِّماء، في الواقع لقد عقدتُ صداقةً بيني وبين الدِّماء.

لكنني لا أريد رؤية طفلٍ آخَر يَنْزف، حاولتُ أن أعتاد هذا، ولكنني هُزِمت.

ربَّاه! يبدو أنَّني لا زلتُ أستطيع البكاء، أعتقد أنني يومًا ما سأنسى كلَّ هذا، لكن كيف السبيل إلى نسيان صورة الطِّفل الصغير وهو يصرخ من الألَم؟! هل كان الأطفال يتألَّمون قبل الحرب؟! لا أذكُر.

كيف أنسى صورة الطِّفل الذي فارق الحياة وهو لم يمكث فيها إلاَّ شهورًا معدودة؟! إنه لَم يعرف أصلاً ما هي الحياة بعد.

كيف أنسى صورة الفتاة الجميلة ذات الشَّعر الناعم الأصفر وهي تبتسم لي، وتشير في سعادة إلى الضمادات التي أحاطَتْ ببقايا فخذِها، كانت سعيدة؛ أخيرًا وجدَتْ دُمْيةً تسلِّي بها وقتها، بعدما احترقَتْ كلُّ الدُّمى في المدينة.

ولا زلتُ أسأل: هذا الذي قَتل طفلاً هل يستطيع النَّوم ليلاً؟!



الظلام.. ها أنا أقف الآن سابحًا في بحوره المتلاطمة، أنظر إليه، أضمُّه إلَيَّ، أستنشقه، انظر إليَّ أسفل، من التبة التي أحتمي فيها أنا والرِّفاق؛ نعَم رِفاقي في التسكُّع، مَجانين الثُّلوج، الآن صِرْنا مجانيين الرَّصاص.

لا أدري متى قرَّرنا أن نحمل السِّلاح؛ فالأيَّام لا تسير كما كانت عندما كان لدينا في مدينتِنا مصابيح، يبدو لي أنَّ هذا كان منذ عُقود.

يقولون: إنَّ الحرب - أقصد المَجْزرة - بدأَتْ منذ سنتين، ولكنَّني لا أصدِّق؛ لقد كبرتُ على الأقلِّ عشرين عامًا، هذا الشَّيْب في مفرقي ليس من أثر الثُّلوج قطعًا، هذه التَّجاعيد بجوار عيني ليست لشابٍّ في العشرين من العمر أبدًا.

يقولون: إنَّنا بالأمس فقط دَفنَّا صديقنا "عزت بوبريتش"، ولا أصدِّق؛ لقد مات منذ زمنٍ بعيد، كان بجواري لَمَّا سقطَتْ خلفَنا قذيفةُ الدبَّابة، ما زلتُ أذكر هذا جيدًا، لقد استُشهِد في الصَّباح الباكر، لَم يصرخ، لَم يتألَّم، كم أحسده! ما أجملَ الموت في الصباح الباكر! ما أجمل الموت بلا ألَم!



الظلام.. أستنشِقُ المزيد من الظَّلام، يمزِّق ثوبه الأسودَ زخَّاتٌ من مدفع رشَّاش يبدو أنَّ صاحبه يُعاني فقط من الملَل.

أتابع الأضواء السَّابحة خلف الرصاصات، تَسْبح سريعًا، وتَخْبو سريعًا، جميلٌ أن تَرى الرَّصاصات بغير إصابات، بغير موت.

كم كنت أتمنَّى أن أردَّ عليه التحيَّة، ولكن تعليمات القيادة صارمة؛ ممنوع إطلاقُ النار ليلاً، لا يهمُّ، في الصباح سوف أردُّ عليه التحيَّة.



الظلام.. أستنشقُ المزيد من الظَّلام، أمدُّ يدي؛ لأستدفِئَ بتلك النار التي تشتعل بعيدًا في الأفق، منظرها الخلاَّب يبعث الدِّفء.

أنا أعلم جيدًا هذا المكان، إنَّها مدرستي الثانويَّة، يبدو أنَّها قذيفةٌ أطلقَها جنديٌّ آخَر يشعر بالملَل، لَم تكن تعني لي الكثير، لم أكن من هُوَاة المدرسة، في الواقع أشعر بالسَّعادة؛ فبعد بُزوغ الفجر، ورحيلِ ليل سراييفو الطَّويل، سوف أعود أنا ومَجانين الثُّلوج - أو ما تبقَّى منَّا - لنلعب الكرة في فناء المدرسة.

الجديد أنَّه لن يمنعنا مديرُ المدرسة؛ فلم يَعُد هناك مدير، ولم يَعُد هناك مَدْرسة.



الظلام.. أستنشق المزيدَ من الظلام، صوت طلقة من بعيد، تلَتْها مجموعةٌ من الطَّلقات، أين يصوِّب هذا الوغد؟

أتتبَّع مسار الطلقات، ماذا يفعل هذا المعتوه، إنَّه يصوِّب نحو الظلام، الطلقات تخترق الجسد الكبير، تَغُوص في جنباته، يا إلهي! لا بدَّ أنَّ إصابته خطيرة، لا بدَّ أنه يحتاج إلى علاجٍ عاجل، ولكنَّني يا صديقي لا أستطيع التحرُّك.

تعليمات القيادة صارمة؛ ممنوعٌ تَرْك أماكن الحراسة، وماذا سأقول لهم؟ ذهبتُ لأنقذ صديقي الظَّلام!

لا أعتقد أنَّهم سيتفهَّمون موقفي، الكثير من رفاقنا قد أُصيبوا بالجُنون، أخشى أن يظنُّوا بي ذلك أيضًا.

أنا آسف يا صديقي، لا أستطيع إنقاذك.

أنظر في الأفق، أرى مكان الجُرْح، ربَّاه! إنَّه جرحٌ عميق، أثَرُه صار الآن واضحًا، ولكن العجيب أنَّه لم يكن يتألَّم!

يشقُّ الجرحُ العميق ثوبَ اللَّيل الأسود، وها هو يَنْزف؛ يَنْزف نورًا، يَنْزف.. ينْزف...

يبدو أنَّ الليل سوف يموت أيضًا، الفجر القادم يخبرني بذلك.

وداعًا أيُّها الظَّلام العزيز.

ما أحلى أن تموت في الصَّباح الباكر!

ما أحلى أن تموت بلا ألَم!




من مواضيعي :
الرد باقتباس