عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 17/12/2011, 10:30 PM
صورة لـ nosa
nosa
نشيـط
 
شروق مَن أراد أنْ يزْهَدَ في الدنيا

[img]http://im12.***********/2011-12-17/132415011111.gif[/img]


مَن أراد أنْ يزْهَدَ في الدنيا فلا بدَّ وأن ينظرَ في ثلاثة أمور:

الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها، وأنَّ لذَّاتها غير دائمة، بل يشوبها كَدَرٌ ومُنغصات، والمنَعَّم في الدنيا لو توفَّرت له أسباب الراحة، لحصل له من الآفات والعوارض التي تَعرض له ولمن يحب ما يُكدِّر عليه حياته، ويمنعه من تمام التنعُّم والراحة التامَّة.



الأمر الثاني: التذكُّر أنَّ ما كتبَه الله لك آتٍ لا مَحالة، وأنَّ زيادة الحِرْص لا تأتي بشيءٍ لم يكتبْه الله لك، فرِزْقُ الله لا يجرُّه حِرْصُ حريصٍ، ولا ترده كراهية كارهٍ، فحينما تُدْرك هذه الحقيقة حقيقة الإدراك، يحصل لك طمأنينة وراحةُ بالٍ، فتترك الحِرْصَ الزائد، ويزول عنك الوجلُ والخوف مما سيأتي.



الأمر الثالث: النظر في الآخرة وقُربها بالنسبة لكلِّ واحدٍ منَّا، فمَن مات قامتْ قيامتُه، وما أعدَّه الله لأوليائه من النعيم المقيم واللذَّات الدائمة الخالصة من الكدر، والنفوس مَجبولة على الحِرْص على القريب العاجل، وإنْ كان ناقصًا فتقدِّمه على الآجل، وإنْ كان تامًّا، فلتذكر النفْس وتحاسب على تحصيل الباقي على الفاني، على تحصيل التام على الناقص، فلنقلْ لنفوسنا: علامَ تؤثرين لذَّةً عاجلة ناقصة على لذَّة تامَّة دائمة؟! ألستِ تؤمنين بذلك وتعتقدينه حقًّا؟! فعلامَ الكَسَل والميل للشهوات المحرَّمة؟! فاصبري فأمامك الراحة التامَّة والنعيم المقيم، ورُبَّما تكونين في نهاية المضمار وأنت لا تشعرين؛ ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾ [الشعراء: 205]، ﴿ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ [الشعراء: 206]، ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ [الشعراء: 207].



فهذه الأمور الثلاثة تسهِّلُ على العبد الزهدَ في الدنيا، وتثبِّت قَدَمَه في سَيْره إلى الله.



من الزُّهد المستحب الزُّهد فيما لا ينتفع به الشخص، فلا يشغل الواحد منَّا وقتَه وفِكره في أمورٍ لا تعود عليه أو على غيره بالنفْع؛ من فضول الكلام، من تَحسُّس معرفة أخبار الناس، وماذا قال فلان؟! وماذا فعَلَ عِلان؟! مع أنَّ هذه الأخبار غالبًا ستأتي الشخص من غير أن يبحثَ عنها، فإذا عوَّدتَ النفس على ترْكِ الفضول من الكلام؛ تعبُّدًا لله، وامتثالاً لقول النبي - صلى اللهم عليه وسلم -: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقلْ خيرًا أو ليَصْمُت))؛ رواه البخاري، ومسلم - سَهُل عليها الأمر، وأصبحتْ سجيَّة لها، فكم من كلامٍ نَدِمْنَا عليه، وتمنَّينا أنَّنا لم نقلْه، ويَنْدر أن نَنْدَمَ على ما لم نقلْه.



ومِن الزهد المستحب الزهد في النظر فيما عند الناس مِن مُتَع الحياة الدنيا؛ من المآكل والمشارب، والمساكن والأثاث، فرُبَّما ترك ذلك في النفْس حسرةً وازدرى العبدُ نعمة الله عليه؛ ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131].



ورزقُ ربِّك من العلم النافع والهدى والتوفيق للخير خَيْرٌ وأبقَى، فإنْ لم تحصلْ هذه النِّعَم الدنيويَّة، فعندك خيرٌ منها في عاجلك وآجلك.



ومِن الزهد المستحَب الزُّهد في الولايات، فلا يطلبها الشخص؛ لتحصيل العلو الدنيوي والرِّفعة عند الناس، فمن حالُه كذلك، غالبًا لا يوفَّق في القيام بها، ولا يُعان عليها، فلذا نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبدالرحمن بن سَمُرَة عن طلب الإمارة؛ رواه البخاري (6622)، ومسلم (1652).



ومن الزهد المستحب الزُّهد في مَدْح الناس، فلا تسعَ لطلب مدْحِ الناس، أو تترك أمرًا مشروعًا؛ خوفًا من ذَمِّهم، فالذي ينفع مدحه ويشين ذَمُّه ذاك الله؛ فاحْرِص على أن تنالَ مَدْحَه.



ومن الزُّهد المستحب الزُّهد في النفس، وهذا من أشقِّ أنواع الزُّهد، فلا ترى لنفسك حقًّا على غيرك، فتهون نفسُك في ذات الله، تذِلُّها تحبُّبًا لإخوانك المسلمين؛ الصغار والكبار، تبدؤهم بالتحيَّة، تَبش في وجوههم تَقرُّبًا لله، ترفق بهم إذا كان لك ولاية عليهم؛ لَيِّنٌ في توجيهك ونُصحك لهم؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54].



فلا تغضب لنفسك ولا تنتصر لها، ولا يمكن أن تحيا النفسُ حياة تامَّة بغير ذلك، وهذا هو هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - فعن عائشة - رضي الله عنها -: "ما انتقمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، إلاَّ أنْ تُنْتَهك حُرمةُ الله، فينتقم لله بها"؛ رواه البخاري (3560)، ومسلم (2327).





من مواضيعي :
الرد باقتباس