عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 24/10/2011, 10:26 PM
صورة لـ حسام الحق
حسام الحق
خليــل
 
كيف تفتتح مقالك؟



كيف تفتتح مقالك؟

أبو مالك العوضي


تَخيَّلْ أنك جائعٌ ورأيتَ تُفَّاحةً تُباع، وكنتَ في أشد الاشتياق لأكل التفاح، وكان السعرُ معقولاً، وأنت تملك المال، إلا أن التفاحة يغطيها الذبابُ، أو ملوثةٌ بالتراب، أو ملقاة على الأرض بإهمال، فهل ستشتريها؟

أغلب ظني أنك ستمتنع عن شراء هذه التفاحة!

إن بواطنَ الأمور ذاتُ أهمية بالغة، لكنَّ الظواهر هي العامل الأهم في اتخاذ القرار عند أكثر الناس.

وما يُقال عن قرار الشراء، يقال عن القراءة أو الاستماع أو المشاهدة؛ فقد تفتتح كتابًا فتقرأ فيه صفحةً واحدةً ثم تغلقه، وقد تستمع إلى شريطٍ دقيقةً واحدةً ثم تطفئه، وقد تشاهد حلقةً علميةً مفيدةً؛ لكنك لا تكملها.

من هنا تكلم العلماء في (براعة الاستهلال) ونحوها من أدوات البلاغة، وأنَّ لكيفية افتتاح الكلام أهميةً بالغةً في جذب المستمع والقارئ والمشاهد.

وهو مبحث بلاغي معروف، ولكن التطبيق العملي له قليل، وهو كذلك يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، كما أنه - ولا بد - يختلف باختلاف الموضوع، وكذلك يختلف باختلاف وسيلة العرض؛ كتابًا كان أو شريطًا أو محاضرةً.

وهذا المقال موجَّه في المقام الأول إلى مؤلف الكتاب، أو كاتب المقال، أو صاحب المحاضرة أو الشريط.

كيف تفتتح كلامك، بحيث تجعل الطرَف الآخر يواصل الاستماع أو القراءة أو المشاهدة؟
هذه مسألة بالغة الأهمية، وأخشى أن تقول لي: كيف يداوي الناس من كان مريضًا؟!
وكيف تتكلم عن الافتتاح الجيد للمقال ومقالك هراء في هراء؟!


والجواب أن المقال ليس حلاًّ لهذه المشكلة؛ وإنما المراد منه في المقام الأول إثارة بعض التساؤلات والقضايا المتعلقة بهذا الموضوع، وأتمنى أن نصل إلى الحلِّ الأمثل من تفاعلات القراء وتعليقاتهم.

يَرى بعضُ الكتاب أنَّ بدء الكلام بـ(مما لا شك فيه أن...)، أو (من الأمور المقررة...)، أو (من بدهيات الشريعة...)، أو (مما اتفق عليه العقلاء...)، أو نحو ذلك من العبارات - خطأٌ فاحِش.

لماذا؟
لأن هذا الكلام فيه فرضُ وصاية مبدئية على القارئ، كما أن فيه مصادرةً على المطلوب؛ لأن أساس المقال الذي ينبغي أن يُبنى عليه هو الإقناع، فإذا خرج القارئ من المقال ولم يقتنع بكلامك، فهذا معناه أنك أخفقتَ في تحقيق هدفك.

وإليك هذه العجيبةَ من عجائب الدنيا:
سُئل بعضُ الأمريكان عن سبب إسلامه، فقال: سبب إسلامي أول آية في سورة البقرة؟!


فقيل له: وكيف ذلك؟
فقال: ما قرأْتُ كتابًا إلا وجدتُ صاحبَه يبدأ كلامَه بعشرات المقدِّمات، حتى يصل بالقارئ إلى الفكرة النهائية التي يريد إقناعَه بها، فلما فتحتُ المصحف وجدتُ أولَ آية: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2].

فقلتُ في نفسي: لو لم يكن صاحبُ هذا الكتاب واثقًا تمامَ الثقة أنَّ كتابه لا يمكن أن يُتحدَّى، لَمَا بدأه بحمل جميع قُرَّائه على تحديه بمثل هذه الطريقة!

أقول: فقد يقول قائل: إن هذه خَصِيصة لكتاب الله - عزَّ وجلَّ - لا ينبغي لعبدٍ قاصر ناقص أن يستعملها.

ومن الضوابط المهمة في كتابة المقال ألاَّ تطيل الجُملَ إطالةً شديدةً؛ لأن هذا يتعبُ القارئ، ويصعب الفهم عليه، ويصيبه بالملل سريعًا.

كما أنه من المفضل عند الأكثرين أن تكون الأفكارُ مرتبةً ومتتابعةً؛ بحيث ينتقلُ القارئُ من جملة إلى جملة، ومن فقرة إلى فقرة، بسهولة وفهم وتدرُّج، فلا يسبق ذهنُه إلى الإنكار، ولا يلحظ في الكلام أخطاءً أو تناقضاتٍ أو افتراضاتٍ غيرَ مسلَّمة.

وقد أشار حسان بن ثابت إلى هذا المعنى عندما قال:
وَإِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ أَنْتَ قَائِلُهُ
بَيْتٌ يُقَالُ إِذَا أَنْشَدْتَهُ: صَدَقَا



وقد أخطأ كثيرٌ من الناس في فهم المراد من قول حسان هذا؛ فظنوا مُرادَه أن أبلغ الشعر أصدقه؛ وهذا بعيد؛ لأن صدق الكلام أو كذبه لا يلزمُ منه بلاغتُه أو عدمُها، فكم من كلام صادق وهو بعيد عن البلاغة، وكم من كلام كاذب وقد أجمع النقادُ على بلاغته وحسنه.

وإنما المراد من قول حسان - رضي الله عنه - أن السامع يسبقُه لسانُه إلى قول (صَدَق)، فلا يستطيع أن يمنع نفسَه منها؛ وهذا يدل على أن الكاتب أو الشاعر أو الخطيب قد رتَّب كلامَه ترتيبًا بديعًا، وأحسن فيه من جميع وجوهه، حتى لم يدَع للسامع فرصةً لسوء الفهم، أو الاعتراض، أو عدم التصديق! وهذه هي قمة البلاغة.

استعمالُ الكلمات الغريبة ينبغي الابتعاد عنه، لكن لا بأس باستعماله في مواضعه؛ لأن القارئ إذا هُيِّئ نفسيًّا في أول المقال لِقَبول ما يأتي، فإنه قد يتأثَّر باستعمال الكلمات الغريبة أكثرَ من الكلمات الواضحة، وكثيرٌ من الناس يذهل وينبهر إذا أتاه من الكلام ما لم يكن يعلم، حتى لو كان كذبًا أو باطلاً.

من المهم جدًّا في المقال ربط المعقول بالمحسوس؛ لأن الأمثلة العقلية يصعب تصورُها، ثم بعد ذلك يصعب الاقتناعُ بها، ثم بعد ذلك يصعب تذكُّرُها، ثم بعد ذلك يصعب ثباتُها.

أما الأمثلة الحسية، فهي عكس ذلك كله، فإذا ربطتَ المثال العقلي بمثال حسي، استطعتَ أن تتغلب على جميع الصعوبات السابقة.

وأكثرُ ما ينفع مثلُ ذلك في مسائل العقيدة التي تُشكِل على بعض الناس، فقد سُئل بعض السلف عن الله - عزَّ وجلَّ - كيف يكون محيطًا بالكون وفوقه؟ فقال: أرأيت الباشق الذي يمسك بحمصة، أليس محيطًا بها وفوقها؟! فإذا كان هذا متصوَّرًا في المخلوق، فلا يبعد تصوره في الخالق - عزَّ وجلَّ.

كذلك من المهم جدًّا في المقالات أن تربط أولَ المقال بآخره؛ لأن القارئ عند نهاية المقال قد ينسى كثيرًا من تفاصيله، فإذا ربطتَ آخره بأوله كان أدْعى لتوثيق العلاقة بين المعلومات الواردة في المقال، فترسخ مجتمعةً في الذهن.

من الطرق المعتادة لبدء المقالات أيضًا أن تقول: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا..." إلخ.

ولا ينبغي مثل هذا؛ لأنه خلط بين المقامات المختلفة؛ فإن هذه خطبة الحاجَة التي كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعلِّمها أصحابَه، ولم يكن يفتتح كتبه إلى الملوك مثلاً بمثل هذا.

وكذلك من المهم أن تختار عنوانًا مشوِّقًا للمقال، ويستحسن أن يكون بأكثرِ ما ورد في المقال شذوذًا وغرابةً وبُعدًا عن الموضوع؛ حتى يثير الفضول لقراءته ومعرفة المراد منه!

وذلك لأن النفس دائمًا متشوفة لمعرفة الشيء الغامض، وتنفر من الأمور الواضحة، ولكن بشرط ألاَّ يزيد الغموضُ عن حدِّه؛ حتى لا يعطي إحساسًا باليأس، أو يطول فيثير الملل.

لاحِظْ أن قراءة المقال كاملاً ليس هدفًا في ذاته، ولكن الهدف هو الاقتناع بمضمون المقال ومحتواه، فلا تجعل همك أن يَقرأ قارئُك مقالَك كاملاً، ثم لعله يشتمك بعد انتهائه إذا وجده تافهًا!

إن العبارة الافتتاحية للمقال تشبه طريقة النقر على الباب، أو رنين الهاتف، أو طلب الدخول، أو نحو ذلك، فإذا كانت تفتقر إلى الأسلوب الصحيح في التعبير، فإنها تفقدُ نسبةً كبيرةً من إقبال الطرف الآخر على إكمال الموضوع.

وللحديث بقية - إن شاء الله.




من مواضيعي :
الرد باقتباس