الموضوع: صرخة نذير
عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 23/09/2011, 08:24 PM
صورة لـ alanfal
alanfal
المحبة لله ورسوله
السياحة وموضوعات عامة
 
الله اكبر صرخة نذير

الذي ينظرُ إلى حال العرب قبل الإسلام, يري ضلالات, يرى ضلالةً في الدين, وضلالةً في الحكم -أي القوانين-, وضلالةً في النفس, حتى أن الماهر العاقل الخرِّيت لا يعرفُ كيف يصلُ في هذه الحقبة من الزمان إلى حقٍ أو صواب.
بل كان من أعقل العقلاء, ومن أشرف الأنفسِ على الإطلاق زيد بن عمرو بن نُفيل, رجلٌ تحرك فيه الفطرة, وانبعثت نفسه للبحث عن الحق, مراده أن يصل إلى الله -عز وجل-, طاف الأديان قاطبة, رأى قريش على ضلالات من عبادةٍ للأوثان, بل إن أحدهم كان من سفه عقله أن يصنع إلهه بيده فيعبده فإذا جاع أكله, فطاف الأرض يبحث عن الأديان, طاف على اليهودِ وعلى النصارى وعلى غيرهم ممن يزعمون أنهم على دين, فما وجد بُغيته, ما وجد الطريق, على الرغم من أنه كان من أعقل عقلاء الزمان, بل إن أهل الزمان قاطبة رموه بالجنون سلطوا عليه سفائهم فكان لا ينزلُ مكة إلا بليل على حين هدئةٍ وغفلةٍ من قريش, ثم يصعدُ إلى الجبال قبل أن يتفطنوا لأمره.
ذهب إلى اليهود, ذهب إلى النصارى, أريدُ الدين, فما وجد أحدًا قائماً بأمر الله -عز وجل-, فكان يتعلقُ بأستار الكعبة ويقول اللهم إني على ملة إبراهيم حنيفا ولو أجدُ دينًا على ظهر الأرض لبلغته حتى أصل به إليك, الأرض قاطبة كانت مظلمة في الدين, مظلمةٌ في القوانين لأن الدين هو الذي يضبط القانون, مظلمةٌ في النفس, ظل زيد بن عمرو على حاله إلى أن لقيّ الله -عز وجل-.
قال ولده سعيد لما سأل عن حال أبيه, قال يا رسول الله أين أبي؟ قال إنه يُبعث يوم القيامة وحده, أمة, وهذا يُنبئك على حال أهل الأرض في ذلكم الزمان بلا دين, فأرسل ربنا -تبارك وتعالى- رسوله, أنار به الدنيا, وبلغ أمره, وأنشأ رجالًا خرجوا لكل رجالات الأرض يُنبئونهم أنهم خرجوا ليخرجوا العباد من عبادة العباد, من ظلمة الأديان, إلى عبادة رب العباد, رفعوا رؤوسهم شامخة, وهم كانوا من قبل في ظُلَم, قصارى جهد أحدهم أن يرعى إبلًا أو غنيمات, أو أن يذهب إلى الصيد والقنص ويعود مُنهكًا مُتعبًا من الليلِ ويُعاود الكرَّه.
فسادٌ كان في الأديان, فسادٌ في القانون, ولا شك أن من تخلى عن دين الله -عز وجل- لابد أن يقع في الفساد, ظلمٌ عجيب, حتى أن أحدهم يقتل الآخر لأتفه الأسباب, هناك رؤوس لا يصلُ إليها أحد, حتى أن أحدهم كان يأتي بكلب على أعلى جبل ثم يُرسل عبيده إلى أطراف الأرض, فإن سكت نباح الكلبِ كان هذا حِمى هذا الرأس, ولا يتجرأ أحد أن يصل إلى حمى صاحب الكلب.
ظلمٌ وبغي, حروبٌ طاحنة, أما النفس فكانت مُشتتة, تارةً تعلو إلى خير ولا يُنكر هذا أحد كحزب الفضول وغيرها مما تناوب عليه بعض العرب, مما اتفق عليه بعض العرب على إقامة بعض الحدود لرد بعض المظالم, ولكن كان الظلم أعلى وأشد, والبغيُ لا يصل إلى حدٍ أو منتهى.
ظلمٌ في الدين, ظلمٌ في القانون والأحكام, ظلمٌ في الأنفس, جاء الإسلام فحرر هذا العبد, حرره من عبودية غير الله -عز وجل-, ربى النبي -صلي الله عليه وعلى آله وسلم- رجاله على أن أنفسهم بيد الله, لا يملكون فيها شيء, فطلبوا الموت في مظانه لعلمهم أن النفس لا يملكها هوْ, إنما الذي يملك النفس هو الله, فبذلوا الغالي والنفيس, لما علموا أن الأنفس تُبذل من أجل الدين, بذلوها وأعطوها رخيصة بلا تردد, سادوا الأرض, أمسكوا بنواصي الفرس فأذلوها, وأمسكوا بههامات الروم فداسوها بالنعال, طافوا إلى أطراف الأرض ما من كافرٍ إلا ودلوه على الله -عز وجل- فعم الله -سبحانه وتعالى- بهم الأرض بالنور, كل باطلٍ كان ملحوظ, كل باطلٍ كان مهين, لأن هناك رجال عرفوا كيف الوصول إلى الله -عز وجل-, وعلموا أن الدنيا بالذل لا حياة فيها لأحد, إما أن تكون رأس, وإما أن تؤكل, فجاء الإسلام فحرر العبيد, ولما قال هرقل لأبي سفيان {فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ} أي محمد -صلي الله عليه وسلم-, {فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ} فقال {بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ}, قال هرقل وكان رجلًا على علم {وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ} < البخاري:7 >.
يبدأ المستضعف وهم الكثرة, أما أهل الظلم فهم القلة, ولكن الإنسان إذا ألف الظلم, عاش ذليلًا وعاش حقيرًا, إلى أن يموت أيضًا ذليلًا حقيرا, أما الإسلام فرفع الهامات, رُفِعت هامة بلال العبد, وهامة عمار الضعيف الجار الذي آوى إلى قريش -وكان من أهل اليمن هو وأسرته-, رُفِعت هامة خباب وصهيب لأنهم علموا أن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده.
ظل الحالُ حقبةً من الزمان, والأمةُ ظاهرة لا يجترأ عليهم أحد, دين الإسلام هو القائم, الرشيد, دانت له الدنيا بلا منازع, ما من بقعةٍ على ظهر الأرض إلا وهي في يد الرشيد, وكان من ثقته بالله -عز وجل- ينظر إلى السماء في اليوم الشديد الحر فيرى سحابه, يقول لها أمطري أنَّى شئتي, في الشمالِ أو الجنوبِ أو الشرق أو الغرب, أمطري أنَّى شئتي سيصلُني خراجك إن شاء الله.
كانوا يغارون على دين الله -عز وجل- أي غيرة, كانوا يقيمون حدود الله -سبحانه وتعالى- فلا ظلم البتة, حرسوا الدين {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ}.[آل عمران:19], غاروا على الدين فبذلوا الأنفس التي هي لله -عز وجل- في سبيل حمى الدين, حكموا الأرض بشرعة الله, لا بشرعة الغاب, ولا بشرعة الجاهلية, و لا بشرعة الظلم والبغي, بل نرى في ذلكم الزمان أن أهل الكتاب من يهودٍ ونصارى, كانوا في رخاءٍ من العيش, وفي رحمةٍ بالعدل الذي جاء بهم الإسلام, أو جاء لهم الإسلام به, فما اشتكى أحد.
ظلت الأمة ظاهرة, عالية, دينٌ قائم, وعدلٌ بين العباد مسلمٌ أو ذميّ, تحررت الأنفس فلا عبودية لعبدٍ على عبد, بل جاء الإسلام ليحرر العبيد, أعلى الدرجات، عتقُ رقبة.
ولكن الدنيا أخذٌ ورد, علوٌ وسفول, وحكمة الله -عز وجل- في خلقه أن البشر بين مدٍ وجزر, بين ليلٍ ونهار, فلا يدوم الحال, وربنا -تبارك وتعالى- جعل في هذه الأمة خاصة الخيرية إلى قيام الساعة, حفظ لها دينها, وليس حفظٌ في الكتبِ فقط, بل حفظ لها دينها من كتابٍ وسنة على رؤوس من أهل الفضل يحملون الرايات ويُسلمونها لمن بعدهم حتى ولو لم يبقى على ظهر الأرض إلا واحد لكان هو, وفي الحديث, حديث ابن عمر وحديثُ معاوية الذي رواه البخاريُ وغيره {وَلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ}. < البخاري (7311) عن المغيرة، مسلم (1037) عن معاوية >, حتى ولو كان واحدا.
سُأل عبد الله بن المبارك, من الطائفة المنصورة؟ من الحق؟ فقال أبو حمزة السكري هو الطائفةُ المنصورة, لأنه كان مُقيمًا لأمر الله -سبحانه وتعالى-, إلى أن يأذن الله -عز وجل- بزوال من على ظهر الأرض وبفنائها, فإنه يُرسلُ ريحًا هادئة تأتي من قِبَل عدن لا تدع مسلمًا إلا وقبضت روحه, فلا يبقى على ظهر الأرض مؤمن؟, ثم بعدها تقوم الساعة, ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
فصارت هذه الأمة أمةُ دفع, تأمر بالمعروف, وتنهى عن المنكر, وتُقيم أمر الله -عز وجل- في ذات نفسها وتدعوا إليه غيرها, قال سبحانه {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.[آل عمران:110].
ولكن كما ذكرتُ بأن الأيام دول فقد يعلو الحق تارة, ولكن هناك سفول, ويعلو الباطل تارة ولكن هناك سفول, ولكن جعل الله -عز وجل- أسبابًا في علو الحق, وجعل الله أسبابًا في علو الباطل, والمفتاحُ بيد أهل الخير, المفتاحُ بيد هذه الأمة, حينما كانت مع ربها, أعزها الله, وحينما تخلت, أذلها الله, سننٌ ثابتة, في يوم أُحد وقعت هزيمة بسبب ماذا, أن أحدًا من الصحابة زنى؟ لا والله, أن أحدًا من الصحابة سرق؟ لا والله, أن أحدًا من الصحابة ظلم؟ لا والله, بل أمرٌ في عرفنا تافةٌ جدًا أن بعض الأصحاب تأولوا, رأوا نصرًا مُظفَّرا, وكان من قبل قد أمرهم النبى -صلى الله عليه وسلم- أن يثبتوا مكانهم وأن تخطف الأصحاب أو الجيش الطير, لا يتحركوا من أماكنهم, فلما رأوا نصرًا مُظفَّرا قالوا الغنائم ونزلوا, فهزموا, وقُتل منهم جماعة, وجُرح نبيهم محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}.[آل عمران:165].
سننٌ ثابتة, كلما تمسكت الأمة بأمر ربها وصدقت مع الله -عز وجل- وثبتت الأنفس, عزت, أمةٌ لا ترضى بذلٍ أو هوان أبدا, عزها في دينها, ذلها في تركها دينها, وإن من العجيب أنك ترى الأمة كما قلتُ بين مدٍ وجزر, بين علوٍ وسفول, ولكنها كانت في حال سفولها في العصور الماضية, سرعان ما تعلو, نعم دخل التتار, دمروا بغداد, قتلوا الخليفة, صنعوا جماجم من رؤوس المسلمين, ولكن سرعان ما قامت, هجم القرامطةُ على بيت الله الحرام, فقتلوا الحجيج وانتزعوا الحجر الأسود, ولكن سرعان ما علت وعادت إلى ربها.
هكذا على مر العصور والدهور, إلى أن وقعت الأمة في ترف, وفي ثراء عيش, وفي غفلةٍ عن ربها حتى أُكلت من أطرافها, ذهبت الأندلس, وما سمعنا عن الأندلس إلا المقامات الأندلسية والأشعار الأندلسية والغناء الأندلسي, رقصاتٌ أندلسية, هذا ما سمعناه عن الأندلس, الأندلسُ أمةٌ ظاهرة في ذلكم الزمان وكانت في أواسط أوروبا، على حدود أوروبا, بل وصلت إلى أواسطها, علت, فلما ضعفت, أكلها عدوها.
كان هؤلاء النصارى لما اجتاحوا بلاد الأندلس, اخذوا قتلًا في جميع المسلمين, اجبروهم على التنصر, حتى أن المسلم الذي يريد أن يثبت على دينه يقول له هذا الصليبي ائتني بالسيف, فيأتيه بالسيف فيناوله لعدوه فيقطع رأسه, تتبعوا العورات, من كان مُختتنًا قُتل, من بلغهم أنه اغتسل للجمعةِ قُتل, غيروا الأسماء وضيعوا الهوية, لما ذلت الأمة صار هذا حالها, لا هوادة بين أعداء الله -عز وجل- وبين المسلمين أبدا إلى قيام الساعة, ولذلك يقول النيى -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الماضي {وَلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ}, ولابد من هذه الطائفة أن تكون على الحق وإلا ذهبت مع من ذهب.




من مواضيعي :
الرد باقتباس