الموضوع: غدر المرأة
عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 17/05/2011, 09:12 PM
صورة لـ mimi
mimi
خليــل
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لا اله الا الله الحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله
 
قلب ينبض غدر المرأة

هناك أشكال و ألوان من وفاء المرأة فالمرأة بطبعها كائن رقيق و فيّ.و لكن كما لوفاء المرأة مظاهر فإن لخيانتها و غدرها عجبا لا يصدقه عاقل

و في ما يلي من السطور سأحاول أن أنقل إليكم قصة رواها الكاتب الكبير السيد/مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه النظرات في جزءه الثاني يبين فيها قصة تٌروى قديما..


يقصون في بعض الأساطير القديمة أن حكيما من حكماء اليونان كان يحب زوجته حبا ملك عليه قلبه و عقله.. و أحاط به إحاطة الشعاع بالمصباح المتّقد و كان يمازج هناءه الحاضرة شقاء مستقبل يسوقه إلى نفسه الخوف من أن تدور الأيام دورتها فيموت و يفلت من يده ذلك القلب الذي كان مغتبطا باعتلاقه إلى صائد آخر يعتلقه من بعده و كان كلما أبثّ زوجته سره و شكا إليها ما يساور قلبه من ذلك الهم حنت عليه و عللته بمعسول الأماني و أقسمت له بكلّ محرجة من الأيمان أنها لا تستردّ هبة قلبها منه حيا أو ميتا..


فكان يسكن إلى ذلك الوعد سكون الجرح الذرب تحت الماء البارد..ثم لا يلبث أن يعود إلى هواجسه و وساوسه حتى مر في بعض روحاته إلى منزله في إحدى الليلي المقمرة بمقبرة المدينة..فبدا له أن يدخلها ليروّح عن نفسه هموم الموت بوقفة بين قبور الموتى و كثيرا ما يتداوى شارب الخمر بالخمر و يلذّ للجبان و هو يرتعد فرقا الإصغاء إلى حديث المردة و الجان.فرأى في بعض مذاهبه بين تلك القبور امرأة متسلّبة جالسة أمام قبر جديد لم يجف ترابه و بيدها مروحة من الحرير الأبيض مطرّز بأسلاك من الذهب.تحرّكها يمنة و يسرة

لتجفّف بها بلل ذلك التراب فعجب لشأنها و تقدّم نحوها فارتعدت لمرآه..ثم أنست به حينما عرفته..فسألها ما شأنها..و ما مقامها هنا؟ و من هذا الفين؟و ما هذا الذي تفعل؟فأبت أن تجيبه عمّا سأل حتى تفرغ من شأنها فجلس إليها و تناول المروحة منها.و ظل يساعدها في عملها حتى جفّ التراب فحدّتثته أن هذا الدفين زوجها.و أنه مات قبل ثلاثة أيام.و أنها جالسة من الصباح مجلسها هذا لتجفّف تراب قبره وفاء بيمين كانت قد أقسمتها له في مرض موته ألاّ تتزوّج من غيره حتى يجفّ تراب قبره.و أن هذه الليلة هي ليلة بنائها بزواجها الثاني فأبى لها وفاؤها لهذا الدفين الذي كان يحبها و يحسن إليها أن تحنث بيمين أقسمتها له..أو تخيس بما عاهدته عليه.ثم قالت له: هل لك يا سيدي أن تقبل هذه المروحة هدية مني إليك..و جزاء لك على حسن صنيعك معي؟ فتقبّلها منها شاكرا بعد أن هنّأها بزواجها الجديد ثم انصرف و ليس وراء ما به من الهمّ غاية و مشى في طريقه مشية الرائح النّشوان يحدّث نفسه و يقول:إنه أحبّها و أحسن إليها.فلمّا مات جلست فوق قبره لا لتبكيه..و لا لتذكر عهده بل لتتحلّل من يمين الوفاء التي أقسمتها له.فكأنها و هي جالسة أما زوجها الأول تعدّ عددّ الزواج من زوجها الثاني و كأنّما اتخذت من صفائح قبره مراة تصقل أمامها جبينها.و تصفف طرّتها و تلبس حليتها للزفاف من غيره.
و مازال يحدّث نفسه بمثل هذا الحديث حتى رأى نفسه في منزله من حيث لا يشعر.و رأى زوجة ماثلة أمامه مرتاعة لمنظره المؤلم المحزن فقال لها:إن امرأة خائنة غادرة أهدت إليّ هذه المروحة فقبلتها منها إليك..لأنها أداة من أدوات الغدر و الخيانة.وأنت أولى بها مني.ثم أنشأ يقصّ عليها قصة المرأة حتى أتى عليها.فغضبت و انتزعت المروحة من يده و مزّقتها إربا إربا..و أنشأت تسبّ تلك المرأة و تشتمها.و تنعى عليها غدرها و خيانتها و سفالتها و دناءتها.ثم قالت:ألا يزال هذا الوسواس عالقا بصدرك ما دمت حيّا؟و هل تحسب أن امرأة في العالم ترضى لنفسها بما رضيت به لنفسها تلك المرأة الغادرة؟فقال لها:إنك أقسمت لي ألّا تتزوجي من بعدي.فهل تفين بعهدك؟قالت:نعم.و رماني الله بكل ما يرمي الغادر إن أنا فعلت.فأطمأن لقسمها و عاد إلى هدوئه و سكونه.
مضى على ذلك عام ثم مرض الرجل مرضا شديدا.فعالج نفسه فلم يجد العلاج حتى أشرف على الموت فدعا زوجته و ذكّرها بما عاهدته عليه فاذّكرت فما غربت شمس ذلك اليوم حتى غربت شمسه.فأمرت أن يسجّى بردائه و يترك في قاعته حتى يحتفل بدفنه في اليوم الثاني


ثم خلت بنفسها في غرفتها تبكيه و تندبه ما شاء الله أن تفعل.و إنها لكذلك إذا دخلت عليها الخادم و أخبرتها أن فتّى من تلاميذ مولاها حضر الساعة من بلدته حينما سمع بخبر مرضه فلما سمع حديثه موته ذعر ذعرا شديدا و خرّ في مكانه صعقا و أنه لا يزال صريعا عند باب المنزل لا تدرى ما تصنع في أمره.أن تذهب به إلى غرفة الأضياف و أن تتولى شأنه حتى يستفيق.ثم عادت إلى بكائها و نحيبها.فلمّا مرّ الهزيع الثاني من الليل دخلت عليها الخادم مرّة أخرى مذعورة مرتاعة و هي تقول:رحمتك و إحسانك يا سيدتي فإن ضيفنا يعالج من آلامه و أوجاعه عذابا أليما و قد حرت في أمره.و ما أحسبه إن نحن أغفلنا أمره إلا هالكا.فأهمّها الأمر و قامت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى غرفة الضيف فرأته مسجّى على سريره.و المصباح عند رأسه فاقتربت منه و نظرت في وجهه.فخيّل إليها أن المصباح الذي أمامها قبس من ذلك النور المتلألئ في ذلك الوجه المنير و أن أنينه المنبعث من صدره نغمة موسيقية محزنة ترنّفي جوف الليل البهيم.فأنساها الحزن على المريض المشرف الحزن على الفقيد الهالك.و عناها أمره.فلم تترك وسيلة من وسائل العلاج إلا توسّلت بها إليه حتى استفاق و نظر إلى طبيبته الراكعة بجانب سريره نظرة الشكر و الثناء ثم أنشأ يقصّ عليها تاريخ حياته.فعرفت من أمره كل ما كان يهمها أن تعرفه فعرفت مسقط رأسه و سيرة حياته و صلته بزوجها و أنه فتى غريب في قومه لا أب له و لا أم.و لا زوجة و لا ولد. و هنا أطرقت برأسها ساعة طويلة عالجت فيها هواجس النفس و نوازعها ما عالجت.ثم رفعت رأسها و أمسكت بيده و قالت له:إنك قد ثكلت أستاذك و أنا ثكلت زوجي فأصبح همّنا واحد.فهل لك أن تكون عونا لي و أن أكون عونا لك على هذا الدهر الذي لم يترك لنا مساعدا و لا معينا.فألّم بخبيئة نفسها فأبتسم ابتسامة الحزن و المضض. و قال لها:من لي يا سيدتي أن أظفر بهذه الأمنية العظمى. و هذا المرض الذي يساورني و لا يكاد يهدأ عنى قد نغّص علّي عيشي.و أفسد علّي شأن حياتي.و قد أنذرني الطبيب باقتراب ساعة أجلي إن لم تدركني رحمة الله فاطلبي سعادتك عند غيري.فأنت من بنات الحياة و أنا من أبناء الموت.فقالت له:إنك ستعيش. و سأعالجك و لو كان دواؤك بين سحري.و نحري قال:لا تصدّقي ما لا يكون يا سيدتي فأنا عالم بدوائي و عالم بأني لا أجد السبيل إليه. قالت:و ما دواؤك؟ قال:حدّثني طبيبي أن شفائي في أكل دماغ ميت ليومه.و ما دام ذلك يعجزني فلا دواء لي.و لا شفاء فارتعدت و شحب لونها و أطرقت إطراقة طويلة لا يعلم إلا الله ماذا كانت تحدثها نفسها فيها..ثم رفعت رأسها و قالت:كن مطمئنا فدواؤك لا يعجزني.ثم أمرته أن يعود إلى راحته و سكونه.و خرجت من الغرفة متسللة حتى وصلت إلى غرفة سلاح زوجها.فأخذت منها فأسا قاطعا.


ثم مشت تختلس خطواتها اختلاسا حتى وصلت إلى غرفة الميت.ففتحت الباب فدار على عقبه و صرّ صريرا مزعجا.فجمدت في مكانها رعبا و خوفا.ثم دارت بعينيها حولها فلم تر شيئا فتقدمت لشأنها حتى دنت من السرير و رفعت الفأس لتضرب بها رأس زوجها الذي عاهدته ألا تتزوج من بعده و لم تكد تهوي بها حتى رأت الميت فاتحا عينيه ينظر إليها.فسقطت الفأس من يدها.و سمعت حركة وراءها فالتفتت فرأت الضيف و الخادم واقفين يتضاحكان ففهمت كل شيء.


و هنا تقدّم نحوها زوجها و قال لها:أليست المروحة في يد تلك المرأة أجمل من هذه الفأس في يدك؟أليس التي تجفف تراب زوجها بعد دفنه أفضل من التي تكسر دماغه قبيل نعيه؟فصارت تنظر إليه نظرا غريبا ثم شهقت شهقة كانت فيها نفسها




من مواضيعي :
الرد باقتباس