عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 17/05/2011, 01:33 PM
صورة لـ استبرق
استبرق
خليــل
 
الله اكبر ترجمة وجيزة عن إمام من الأئمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد الصادق الوعد الأمين وعلي آله وصحبه أجمعين
أما بعد أقدم لكم سادتي ترجمة وجيزة عن إمام من الأئمة الأعلام ومؤسس الطريقة الكتانية بالمغرب العالمي المستشهد عن عمر يناهز 37 عاما وله أكثر من 300 مؤلف تعتبر مراجع علمية ولا زالت حتي الأن أصدافا تستخرج منها الدرر والكنوز .


نبذة عن حياة مؤسس الطريقة الكتانية قدس سره

هو: أوحد اهل زمانه علما وعملا، الإمام العلامة، المفسر الحافظ المحدث، الفقيه المجتهد، اللغوي المشارك، شيخ الإسلام، وحجة الإسلام، الختم الأحمدي والشيخ الأكبر؛ أبو الفيض محمد ابن الشيخ عبد الكبير الكتاني، المستشهد بفاس عام 1327. والمولود بها عام 1290. مجدد الإسلام في المغرب القرن المنصرم، وشيخ التربية، ورائد الحركة الدستورية والجهادية الإصلاحية.



شهادات الأعلام فيه( 6 ):
قال فيه مفتي مكة المكرمة الإمام العلامة حسين بن محمد الحبشي الحسيني: "إنه من ذوي العلوم الواسعة، والحقائق الجامعة، الذين علت همتهم، وتسامت في العلوم الظاهرة والباطنة رتبتهم، الواصل الموصل إلى طريق الحق والصدق، البدر السامي المقدار، الظاهر كالشمس في رابعة النهار، العارف بربه، المستغرق فيه بقلبه...".
وقال فيه شيخ محدثي الحجاز، الإمام محمد حبيب الرحمن الهندي بعد مدحه للعلم: "وإن ممن وُفق لتحصيله، وشمر على ساق الجد والاجتهاد في سبيله، وصرف جوهرة حياته في حل مشكلاته، وأفنى زهرة شبابه في توضيح معضلاته؛ حضره الإمام العالم العلامة، القدوة اللوذعي الفهامة، مفخر الأوائل والأواخر، وارث العلم كابرا عن كابر، فرع الشجرة النبوية، معدن الجود والفتوة، الأستاذ العارف الرباني".
وكان الإمام شيخ الإسلام؛ الشيخ ماء العينين الشنقيطي الحسني يصفه بـ: "نوارة الأولياء"، ويأمر أصحابه بتعظيمه ومحبته، ويقول لهم: "عدوها ليوم القيامة"، وإذا لقي أحدا من الإخوان الكتانيين؛ يقول: "أهلا بأصحاب شمس الضحى"، وكان لا يسميه إلا بها، وزاره جماعة من الإخوان السلاويين، فقال لهم: "نِعم الشيخ شيخكم، ونعم الطريق طريقكم، ونعم الشعار شعاركم، ونعم الناس أنتم!..."، أعادها مرات متعددة .
وحلاه الإمام العلامة الحافظ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي في إجازته لابنه الأكبر الشيخ محمد المهدي الكتاني بـ: "الشريف الأجل، العالم الأمثل، الحافظ اللافظ، الذي كرع من بحري الشريعة والحقيقة حتى ارتوى، سيدي محمد بن سيدي ومولاي عبد الكبير الكتاني الحسني ونفعنا ببركاتهم آمين". ولما كان يدرس "الصحيح" بمراكش أيام وزارته، قال للجماهير الغفيرة التي كانت تحضر دروسه: "ما رأت عيني من يحسن دراسة التفسير كالشيخ سيدي محمد الكتاني رحمه الله، سواء في المغرب أو المشرق". وصار يصف لهم مجالسه بالحرم المكي حينما كان يدرس التفسير به سنة 1321هـ. وناهيك بذلك من إمام المدرسة السلفية بالمغرب.



ولادته ونشأته:

ولد الشيخ أبو الفيض بفاس عام 1290، وأخذ العلم عن كبار علماء وقته، وبالأخص فاس، ورحل إلى شتى مدن المغرب ينهل من علمائها؛ كالرباط وسلا، وزرهون ومكناس...وغيرها. وظهر نبوغه مبكرا، حتى إنه كان ينعزل عن الناس انعزالا كليا لطلب العلم، وكان من شدة اعتنائه بالعلم يقرأ كتب المتقدمين والمتأخرين فيه، وكان يقرأ في الليلة الواحدة الكتاب ذا المجلدات ولا يغيب عن ذهنه منه شيء.
وقد أشرف والده المقدس على تربيته التربية الكاملة، وكيف لا؟؛ فوالده إمام في العلم والمعرفة، وجده الشيخ أبو المفاخر إمام في العلم والمعرفة، وكان كثيرا ما يصيح في البيت قائلا: "لي علوم لا أجد من يسألني عنها". وخاله شيخ الإسلام في المغرب وقته؛ وهو: الشيخ أبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني. وابنا خاله: محمد بن جعفر الكتاني شيخ الإسلام وحافظ عصره في الحديث، وأحمد بن جعفر الكتاني؛ إمام من أيمة العلم المبرزين في فاس. وجده والد والدته أبو العلاء إدريس بن الطائع الكتاني، العالم المجاهد بالسيف ضد الاستعمار الإسباني، والعارف بالله. ووالدته الشريفة فضيلة بنت إدريس الكتانية؛ عالمة من عالمات الفقه والسلوك، وولية صالحة ضربت بمآثرها الطبول.
فكانت نشأته في بيئة الأولياء والعلماء، بحيث كان سلوك الشيخ باديء ذي بدء على يدي والده، فكان والده قبل احتلامه أعطاه وردًا؛ وهو: سبعون ألفًا من الإسم المفرد "الله"، وستون ألفا من اسم رسول الله: "سيدنا محمد ". في كل يوم، مما تسبب في الفتح الأعظم له وهو في الثامنة عشرة من عمره، واجتماعه برسول الله يقظة، وأخذه الورد والمعارف عنه والإذن الخاص بالدعوة إلى الله تعالى ونشر العلم.
ورؤية النبي ثابتة بالسنة الصحيحة، وأثبتها الواقع عن الثقات، ونصرها جملة من الأئمة الأعلام الثقات، كالحافظ السيوطي له فيها مؤلف مستقل، وذلك لما صح عن النبي صلي الله عليه وعلى آله أنه قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"( 7)، وقوله : "من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي"( 8). وربما يتوارد على المنكر سؤال؛ وهو: ربما معناه: رآى الشيطان أو الجني.
وجوابه - علاوة على ما نقلناه عن النبي صلي الله عليه وعلى آله من أن الشيطان لا يتمثل به: أن فراسة الأولياء والعباد أزكى وأطهر من أن تضل بين روحانية ولي وروحانية شقي، ناهيك بروحانيته وروحانية جني أو شيطان. وفي صحيح البخاري عن المؤمن: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت: سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه..."( 9). إلخ.
وعلى كل؛ فقد ثبتت الرؤية اليقظية لكثير من الأولياء القدامى والمتأخرين، وعندنا – معاشر أهل السنة والجماعة – أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وألف في ذلك الإمام البيهقي رسالة خاصة، والإمام الشيخ أبو الفيض – قدس سره – كتابا في مجلدين سماه: "حياة الأنبياء".



الدعوة والإرشاد:

ومذ فتح على الشيخ – قدس سره – تصدر للتدريس والدعوة إلى الله تعالى في مجتمع كثر فيه الظلم والفسق والفجور، وكانت الحروب متواصلة بين القبائل المغربية، والجهل متفش، والضلالات والخرافات والخزعبلات منتشرة، وترك الصلاة صار عادة وشيئا طبيعيا.
وهكذا سافر الشيخ إلى القبائل والجبال، يصيح صيحات في أهلها، ويرشدهم إلى حق الله عليهم، وإلى ما فيه حياتهم ونجاتهم الدينية والدنيوية: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}. [الأنفال/ 24]. وبذلك انتشر العلم في فترة وجيزة في البوادي وكثير من المدن، وكان الأعرابي والبربري الذي لا يحسن النطق بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله. يلازم الفرائض والسنن، والأذكار التي لا يعرفها إلا المتعمقون في علوم الآثار، ولا تجدها في كبار العواصم الإسلامية حينه؛ كالقاهرة، والحجاز، ودمشق، وبغداد...
وأصبحتَ تجد الحِكم تتدفق من فم البربري والأعرابي، ناهيك بمن كان بين العلماء الأعلام، حتى كانوا أشد الناس ضد الاستعمار، ومن أكثر من قاسى في سبيل محاربته ودفع ويلاته.
واتخذ من بين تلامذته من كل جهة شخصا كريم الأخلاق، وطي الأكناف، هينا لينا، ألوفا كريم المائدة، أسند له الرئاسة عليهم، وأعطاه لقب "المقدَّم"، وأوصاه بأن ينظر منهم بعينيه، ويكرمهم ويحبهم ويلم شعثهم، ويكون أبا شفوقا عليهم، ويصبر على ما عساه أن يصدر منهم، ولا يتخلف عن جمعهم، ويتعاهد من تخلف عنهم، فإن كان له شغل يكون في عونه، فيكون الله تعالى في عونه. وإن كان مريضًا يعده، وإن كان مقطوعًا يصله، وإن كان مكروبا يذكره حتى ينزاح ما أصابه من ضيق الصدر والضنك والحرج.
ويبذل مجهوده في نصحهم وإصلاح ذات بينهم، ويحبب النسبة للطريقة للعامة، ويتحافظ على شرائعها، ويشيد أركانها، ويظهر عليه أثرها، ويتخلق بما يبلغه من أخلاق أهل الصدق مع الله، ويحضهم على العلم وتعلمه وتعليمه، حتى يكونوا على بصيرة في دينهم، وحتى يعرفوا ما يتعلق بالعقائد وأحكام الطهارة، من وضوء وغسل وغيرهما، ويراقبوا الله تعالى في المعاملات من البيع والشراء، ولا يتعاطوا أمر الربا بجميع أنواعه...إلى غير ذلك.
وكما وجه عنايته للرجال فخط لهم خطوطًا تقرب لهم الوصول إلى الله تعالى؛ وجه مثل تلك العناية للنساء؛ لأنهن شقائق الرجال في الأحكام، فانتخب من كل قبيلة امرأة ذات عقل ورزانة، وصاحبة زوج سعى في تعليمها ضروريات الإسلام وما لا بد منه من آدابه السامية، وبعث فيها غيرة على الشريعة المطهرة، وحفظها سورًا من القرآن الكريم، ولقنها عدة أذكار، وخصوصًا ورده اللزومي الخاص بالنساء، وأعطاها لقب: "المقدَّمة"، وكلفها بمهام التهذيب والإرشاد في وسطها.
فكانت تقوم بواجبها أحسن قيام، وتدعو لإصلاح العقائد المشوبة بعدة خرافات، وإلى المحافظة على قواعد الدين، والاعتناء بالنوافل، وطاعة الأزواج، وبر الوالدين، واتخاذ الحجاب، والتمسك بالعفة، وترغب في مكارم الأخلاق، وترهب من سيئها، حتى صارت الدور والخيم والأخصاص المنتمية إليه مملوؤات بالمؤمنات والقانتات، والصادقات والصابرات، والخاشعات والمتصدقات، والصائمات والحافظات فروجهن، والذاكرات الله كثيرًا، وقد قال الله تعالى فيمن هذه صفتهن: {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}. [الأحزاب/ 35].
وقد أتت أعماله – قدس سره – أكلها في الحين، فشاعت تعاليم الإسلام في سائر القبائل، ووقع القضاء على كثير من البدع، وانتشرت السنن النبوية في البوادي والحواضر انتشارا لم يعهد مثله فيما سبق.


--------------------------------------------------------------------------------


ابتلاء مراكش والمناظرة:

وحيث أقام الله تعالى لكل رائد حق زعماء من الشياطين تغلبهم الغيرة والحسد؛ فإن الشيخ أصيب بما أصيب به كبار الأنبياء والعارفين من الابتلاء، وذلك أن بعض أدعياء العلم لما رأوا منه ذلك النبوغ السريع والعلم الغزير، أصابهم منه الحسد، فبدأوا يمسكون عليه كلمات استعصى عليهم فك غامضها، بعضها في مجالسه العلمية، وغالبها في تائيته الشهيرة التي فاتحتها:
سقتني بثغر الوصل قهوة حُسنها
مُشَعشَعةً دارت بألحاظ نشأتي

وألفها وعمره واحد وعشرون سنة، وضمنها من المعارف الكثير والكثير، وكذلك صلاته الشهيرة على رسول الله وعلى آله، وهي: "الصلاة الأنموذجية"، التي يأتي ذكرها بإذنه تعالى في الورد اللزومي.
واستغلوا نزول مولانا الشيخ للدعوة إلى الله تعالى للصحراء عام 1314، فاتهموه بالعمل على انقلاب على الملك، وكان ملك المغرب إذذاك: السلطان عبد العزيز بن الحسن الأول، ووشوا به إلى الحاكم، وكان إذذاك وزيره العاقل الحاج أحمد ابن موسى، فأخبر والد المترجم الإمام الشيخ أبا المكارم عبد الكبير الكتاني بذلك، وبلغ مولانا الشيخ بذلك، فأنكر أشد الإنكار، ثم رغب منه الوزير أن يقدم إلى مراكش – بعد أن ثبت بطلان تهمة الانقلاب وأنها إشاعة فارغة – ويتناظر مع كبار العلماء المنكرين عليه.
وذهب مولانا الشيخ إلى مراكش الخامس من محرم عام 1314، واستقبله أغلب أهلها من أسوارها، وفرحوا به غاية، وأكرم السلطان وفادته، وبدأ دروسه ثمة في مختلف العلوم.
ثم بدأت المناظرة بين الإمام أبي الفيض وبين فحول العلماء المنكرين عليه في القصر السلطاني، وبحضرة الوزير الحاج أحمد ابن موسى، وتضمن النقاش جميع المسائل التي اعترض عليه فيها الفقهاء، فكانوا كلما سألوه عن مسألة أجابهم فيها من شتى العلوم بما يدهش عقولهم، ويقمع بحججه شبهاتهم، فكانوا يحيدون عنه يمنة وشمالا، وكلما أفحمه بحججه قالوا: ما هذا الذي سألناك، إنما أردنا كذا وكذا. فيجيبهم على طلبهم بالحجج الشرعية، من كتاب وسنة، ومذهب وإجماع وأصول...وغيرها. فلا يدع لمقارِع مَقرَع، وأغلب النقاش كان من علمي الكلام والتصوف.
وقد دامت مجالس المناظرة ما يقرب من شهرين، وكانت تستغرق أربع ساعات في أغلب الأحيان، وكم حاولوا فيها التغلب عليه غير ما مرة، أو ترجيح أنظارهم على أنظاره على الأقل، ولكنهم كانوا يبوؤون بالعجز، ويرجعون القهقرى حينما كان يطالبهم بالدليل أو المرجح.
وفي رسالة له لبعض تلامذته بفاس قال: "وتبرأنا من كل شيء يخالف ظاهر الشرع، لا في الماضي ولا في المستقبل، وأما ما في كتبنا؛ فليس بمخالف لظاهر الشرع، وألزمتهم على ذلك إلزامات؛ فأبدوا من من عُوارات الجهل ما يُطوى ولا يحكى، ومن وجد خيرا فليحمد الله".
ولما وجد مولانا الشيخ أن جميع أبواب التفاهم أوصدت أمام تعنت الخصوم وتصلبهم بالجهل والباطل، طالبهم أن يبحثوا عن رجل صالح عالم عامل، زاهد متورع، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا ينتصر لنفسه...إلى غير ذلك من صفات الكمال، فواعده الصدر الأعظم بتوفية ذلك، فشق ذلك على العلماء، وطالبوا بختم النقاش في جلسة ختامية. وكذلك كان.
واجتمع الفقهاء في الليل يكتبون انتقاداتهم واعتراضاتهم، وفي نفس الليلة فتح الله على الإمام – قدس سره – بما أرادوا سؤاله، فألف لهم كتابه المشهور: "البحر المسجور في الرد على من أنكر فضل الله بالمأثور"( 10) في ليلة واحدة، وفي الغد سرده عليهم، فأدهش منهم كل مضغة، وأسقط به حججهم.
قال الشيخ الإمام الوارث أبو الهدى سيدي محمد الباقر ابن الشيخ محمد الكتاني في "أشرف الأماني في ترجمة الشيخ سيدي محمد الكتاني"( 11) عقب ذلك: "وبالبحر المسجور سكنت القلاقل في الجملة"، وقال بعد ذلك: "وهو كنز في يد الطرقيين".
وقد صادف الوقت مجيء الإمام البحر ماء العينين الشنقيطي إلى مراكش، ورأى الخليفة – أي: السلطان عبد العزيز – أنه أحق الناس بالفصل في المسألة؛ لتعمقه في علوم الظاهر والباطن، فطلب من مولانا الشيخ تأليف كتاب في شرح الصلاة الأنموذجية، فألف "لقطة عجلان في شرح الصلاة الأنموذجية"، فقرظها الشيخ ماء العينين رحمه الله بعدما اندهش به على صغر حجمه – أي: الشرح – وضمنه مدحًا وثناء عاطرين على الشيخ ولا يعرف الفضل لذوي الفضل إلا ذووه، والكتاب والتقريظ مطبوعان بالمطبعة الحجرية لمن أرادهما(12 ).
وكان ذلك بعد اجتماع الشيخ ماء العينين بمولانا الشيخ أبي الفيض، رضي الله عنهما، ومناقشته، ومعرفته قدره العلمي والعرفاني.
وبعد ذلك كتب السلطان مولاي عبد العزيز ظهيره – مرسومه – في تبرئة الشيخ ، وأصوبية آرائه، وضمنه ثناء الشيخ ماء العينين، ونصه:
"قد أطْلَعًنا الشيخ البركة السنى الأفضل الأجل، سيدي ماء العينين على صلاته المعلومة؛ فسلمها له، حيث لم يجد فيها ما ينكر، وكتب له عليها ما نصه:
"الحمد لله وحده. والسلامان على أفضل من عَبَدَه. هذا؛ وليعلم الواقف هنا من جميع أهل العلم، أني أيها الكويتب لهذه الحروف، غفر الله لي وأعاذني من كل مخوف، تصفحت كلام هذا السيد الجليل، فلم أجد ما أنقم عليه فيه مما لا يحتمل تأويلا صحيحا، وأظن أن أحد ثلاثة لا ينقم عليه شيئا مما قال؛
""أحدهم: رجل ذاق مذاقه، وشاهد مشهده".
"والثاني: رجل تبحر في لسان العربية، وعلم دقائقه من مجاز واستعارة، وعموم وخصوص...وغير ذلك من أنواع العلوم العربية التي تحتوي عليه".
"والثالث: رجل طالع كتب القوم الذين يتكلمون بمثل هذا الكلام، ولو لم يتركوا لضاع الدين، وضاع كثير من الذين سلكوا هذا المسلك".
"والأصوب عندي: أن لا يتعرض له من لم يفهم كلامه، بل قــُصارى خبره إن لم يقبله: أن يقول لـه: الله أعلم بك، وبما تقول. لاسيما ما دام يجد لـه احتمالا ولو شاذا أو ضعيفا، لكون المومن من شأنه التماس المعاذر، والله يتولانا وأحبتنا بالتمام، على المحبة والسلام. عبد ربه ماء العينين ابن شيخه الشيخ محمد فاضل بن مامين غفر الله لهم، وللمسلمين آمين، وفي 15 رجب عام 1314".
"ولأجل هذا؛ آذنا لـه في قراءة الصلاة المذكورة؛ لتكونوا من الإذن لـه على بال. وقد أجبنا ابن عمنا مولاي عرفة بمثله والسلام".
وقد قال الشيخ محمد الباقر الكتاني في كتابه "أشرف الأماني"( 13) إثره: وقد وقفت في رسالة لوالد المترجم، على كلمة قيمة صدرت من الوزير الأول إثر اطلاعه على التقريظ العيني، وهي أن: "جميع من أنكر على الشيخ الكتاني؛ أخرجه شيخنا من الآضاف الثلاثة، وأنه ليس له حظ ولا نصيب منها. ومثل شيخنا من يختبر!".
وهكذا انتهى ابتلاء مراكش بإزالة جميع الأوهام والشكوك عن مسار الطريقة الأحمدية الكتانية، وإن شئت قلت: الحركة التجديدية للإسلام في القرن الرابع عشر، والتي مسارها إلى ظهور الإمام المهدي بإذن الله تعالى.
والمقصود من التوسع في تفاصيل ابتلاء مراكش: إبراز مخدَّرات جمال هذه الطريقة، واستمدادها من معين الكتاب المقدس والسنة المحمدية الصافية، والإجماع والقياس المستوفي للشرائط، ورد الظن الخاطيء لبعض المؤرخين الذين تأثروا ببعض الإشاعات الفانية.
وهكذا استمر الشيخ في دعوة الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وهو يضرب لهم أروع الأمثال من فعل رسول الله والصحابة والسلف الصالح، وأيمة الطريق وأكبر مثال هو: ما يضربه في نفسه إن علمًا أوعملا.


http://www.soufia.org/vb/index.php

حجته :
وفي عام 1321 سافر مولانا الشيخ لأداء مناسك الحج، ورفقته جمع من كبار العلماء من أتباع طريقته؛ كالإمام أبي الحسن علي بن عبد القادر العدلوني الدمناتي، والعلامة الكبير العارف بالله أبي بكر بن محمد التطواني، والإمام العلامة محمد الصالح العمراني، والعلامة المؤرخ الأديب عبد السلام بن محمد بن المعطي العمراني، وهو الذي دون رحلته في كتابه القيم: "اللؤلؤة الفاشية في الرحلة الحجازية".
مر الشيخ في طريقه على الجزائر، ومرسيليا، ومصر التي التقاه علماؤها وخاصتها، وألقى في الأزهر الشريف درسًا في شرح حديث: "بني الإسلام على خمس"، المروي في البخاري وغيره، بقي علماء الأزهر يتناقلون أخباره مدة من خمسين عامًا أو أزيد، شرح فيه الحديث من أحد عشر علمًا، وهو الذي قال فيه بعض أهل العلم المصريين:
والأزهر المعمور من درسِه
قد كاد مِن فرحٍ به أن يطير

وأخذ جمهور من المصريين عنه طريقته الربانية، والتقى به خدوي مصر عباس حلمي باشا، وفرح به، واعتنى اعتناء كبيرًا.
ثم وصل للحجاز، فزار مكة المكرمة، والمدينة المنورة، واهتبل به أهل الحجاز اهتبالا قل نظيره، واجتمع عليه علماؤه، وتلمذوا له، حتى إنه كان يخيط الليل بالنهار وهو يكتب لهم الإجازات، وافتتح دروسا هو وأعيان أتباعه في الحرم المكي الشريف، كانت محل إقبال من سائر الوافدين من علماء الأرض.ثم حج على الطريقة السنية، ونوى المجاورة بالحجاز.
وقد توارد الناس والعلماء وطلبة العلم على دروس مولانا الشيخ لما رأوه من العلوم التي لم يدركوا عليها أحدًا من أهل العلم الفطاحل، وبالأخص في تفسير القرآن الكريم، ويكفي في ذلك أن عالم الهند الإمام العارف الكبير الشيخ محمد حسين بن تفضُّل حسين العمري الفريدي الإلهأبادي الجشتي طريقة، كان يقول لبعض أولاده أثناء حضورهم لهاته الدروس التفسيرية: "اسمع يا بني هاته العلوم والمعارف التي لم يسبق لوالدك أن سمعها من أحد!".
وكان دخل الخلوة في المسجد الحرام في العشر الأواخر من رمضان 1321، وبعد خروجه؛ صرح لتلامذته – كما في "اللؤلؤة الفاشية" – بقوله: "إن هذه الخلوة استكشفت فيها أمورًا، حتى إني وددتُ أن لو أدخلت لها كل أحد حتى النساء...".إلخ. ولم يترك مكانا مقدسا إلا وزاره، وتحدث عنه أحاديث عرفانية دونها ابن المعطي في رحلته.
ثم اضطر مولانا الشيخ – قدس سره – إلى العودة إلى المغرب أواسط عام 1322 بعدما تشبع من معرفة أحوال العالم الإسلامي شرقًَا وغربا، ونشر طريقته في بلاد المشرق كما انتشرت في بلاد المغرب. ووصل مولانا الشيخ – قدس سره – فاسًا في ربيع الثاني من عام 1322، حيث وجد أبواب فاس والطرق الموصلة إليها مكتظة بأتباعه ومحبيه من أهل الطريق والعلم والعامة.


مرحلة الجهاد والإصلاح السياسي:

وفي هذه المرحلة توجه إلى إصلاح البلاد من النواحي الاجتماعية والسياسية، وركز في مؤلفاته على معاني الإخاء والوحدة، ومسائل الفقه البحتة، وارتباط القلوب ببارئها تعالى، وذكره سبحانه في الخلوة والعلانية.
وأرسل رسائل إلى مختلف القبائل في أطراف المغرب، يدعوهم للجهاد ضد المستعمر الذي بدأ في إرخاء ستوره على المغرب، وبدأ يعمل على نصح السلطان المولى عبد العزيز، وإرشاده إلى طريق الخير، حيث إن سيوف العلماء ألسنتهم، وهم أولى الناس بنصح الملوك.
غير أن الفتق كان قد زاد على الرتق، وكان سلطان الوقت لا في العير ولا في النفير، وثارت ثائرة الشعب – وبالأخص بعد تكاثر الديون على البلاد، واحتلال المستعمر أطرافها، مثل: شنقيط، ووجدة، والدار البيضاء – فرأى الإمام الشيخ وجوب خلع الحاكم، لأن حكمه أصبح غير جائز من الناحية الشرعية، واستبداله برجل يكون أصوب منه رأيًا، وأتم علما، وأقوى ذهنا.
وكذلك كان؛ فكتب الشيخ الإمام شروط بيعة خليفة مراكش، وهو: المولى عبد الحفيظ بن الحسن العلوي، أخو الملك السابق، تلك الشروط التي كانت كلها مستمدة من روح الشريعة الإسلامية، وعرضها على علماء القرويين وهم أهل الحل والعقد حينه، فوقعوا جميعهم عليها، وأعلنوا موافقتهم لكل مضمونها، فأرسل الشيخ إلى قبائله بالبيعة للملك الجديد، وأعلن العلماء خلع الملك القديم، واستبداله بالسلطان الجديد في عريضة ذكروا بها الأسباب الشرعية لذلك، ونودي بها في الأسواق والمساجد والزوايا.
وما كان من الحاكم الجديد بعد استتباب الأمر له إلا أن نفض شروط البيعة شرطًا شرطا، وقرب إليه الاستعمار، وثبط الجيش عن الجهاد.
فتصدى له مولانا الشيخ ناصحا، ولم ير الخروج عليه؛ لأن سياسة الوقت لم تكن تتحمل ذلك، والاستعمار يتوغل في البلاد.
فعمل الشيخ على دعوة الناس للجهاد في مختلف الأطراف، وجمع قبائل البربر في الاجتماع البربري العام الذي حضره أعيان كل قبيلة، من مكناس إلى مكناسة،

وتادلا والصحراء...وكذلك رجال الحل والعقد بمكناس، وفي طليعتهم قائدها إذذاك، واتفق فيه المؤتمرون على:
1- عقد الصلح بين قبائل البربر.
2- إلغاء عادة المطالبة بالدم التي كانت تحول دون الصلح.
3- التفاني خلف الائتلاف والاتحاد.
4- الاعتصام بحبل الله المتين.
5- التشبث بالدعوة الحفيظية (وكان ذلك قبل نقضها).


استشهاد الشيخ أبي الفيض قدس سره:
ثم بعد ذلك؛ كان ما كان مما هو مدون في كتب التاريخ المغربي الخاصة والعامة، من اعتقال الإمام الشيخ في قصة تطول، وجلده خمسمائة جلدة انتهت باستشهاده وكان آخر كلمة نطق بها بصوت ملأ الفضاء بقصر أبي الخصيصات بفاس هي الاسم المفرد "الله"، تزعزعت منه أرجاء القصر، ونفدت بذلك أنفاس مجدد الإسلام وحامل لوائه على كاهله، ولا أحق بذلك منه: الإمام أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني في يوم 13 من ربيع الثاني لعام 1327، وكان استشهاده كما قال المجاهد الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي: "مقرونًا باستشهاد أمة". وقد أخفي قبره، بحيث لا يعلم مكانه بالتحديد إلى الآن.
ومنذ استشهد فتحت أبواب الفتن على المغرب، ودخل الاستعمار إلى شتى نواحيه حتى عام 1330، دخل الاستعمار فاسًا، وكانت بها المجزرة الكبرى التي قتلت بها نسبة عالية من النفسية والهوية المغربية إلى هذا الزمان.
ومن جواهر كلام مولانا الإمام وهو في السجن: ما نقله شقيقه الإمام الحافظ مولانا عبد الحي الكتاني رحمه الله في كتابه "المظاهر السامية في النسبة الشريفة الكتانية": "لو لم يكن من الحكمة والتدبير الإلهي في هذه القضية الهائلة إلا ما أذكره لكان كافيا؛ وهو: أن الناس قد بالغوا في الاعتقاد في، ولست إلا كبقية الخلق من أولياء وغيرهم؛ لا نقدر على ضر ولا على نفع، ولا جلبهما ولا دفعهما، الكل بيد الله، فأرجعتنا هذه المحنة إلى عبوديتنا، وأُفرد الله بالكمال المطلق، والجلب والدفع المحقق".
وقد أفرد مولانا الشيخ – قدس سره – بالترجمة فيما يدنو من أربعين مصنفًا؛ أهمها: "دائرة المعارف والعلوم الكتانية" في نحو ثمانية مجلدات؛ لابنه ووارث سره من بعده أبي الهدى محمد الباقر الكتاني، تطرق فيه إلى سيرته وعلومه ومعارفه ومنها: "التاج المرصع بالجوهر الفريد في ترجمة الإمام الشيخ سيدي محمد الكتاني الشهيد" في ثلاثة مجلدات، و"أشرف الأماني في ترجمة الشيخ سيدي محمد الكتاني" وهو مطبوع.
وقد أفردت كراماته – كذلك بالتصنيف – حتى أوصلها بعض أهل العلم إلى أكثر من ثلاثمائة، بل وكان كلما جالسَه أحد يجد له كرامة أو كرامتين على الأقل، غير أنه – لم يكن يرى لذلك اعتبارًا، إذ الكرامة العظمى عنده هي: الاستقامة على الكتاب والسنة.
وكان من شدة خشيته لله تعالى خصص مرآة يفزع إليها في الليل ينظر هل مسخ، ولا ضير؛ فقد روي مثل ذلك عن واصل بن عطاء ومع ذلك؛ فقد أجمع أهل الدوائر الإيمانية من أهل الحل والعقد في الممالك الإلهية؛ أنه – قدس سره – كان له التصرف في أقطاب زمانه، وانتسب إلى مقام الختمية الأحمدية، ولا يكون ذلك إلا مرة في الزمان، وهو أخص من مقامات من سبقه من الأئمة العظام، بل وبلغ مقام الفردية، وظاهر حاله – كما أجمع عليه علماء عصره ممن رأوه، ومصنفاته القيمة التي تركها – شاهد على صدقه وقال: "علوم من سبقني ومعارفهم إلى علمي كالقشرة إلى الثمرة"، وقال في تائيته الكبرى:
بدايتنا فاقت نهاية غيرنا
وليس الثريا للثرى بقرينةِ

ولما سمع والده الإمام رباني الأمة أبو المكارم مولانا عبد الكبير الكتاني – قدس سره – قولة: "عمر بن الفارض سلطان العاشقين"، قال: "إن كان ابن الفارض سلطان العاشقين؛ فابني سيدي محمد سلطان المعشوقين"، وفي ذلك عمق عند ذوي الألباب ليس يخفى.
ويكفي الإمام كرامة أنه استشهد وعمره سبعة وثلاثون سنة، وخلف نحو ثلاثمائة وأربعين مؤلفا، فيها من العلوم الكثير الكثير مما أعجز أكابر أهل الظاهر والباطن، ونحو العشرة آلاف رسالة، وملايين من الأتباع في المشرق والمغرب.

المراجع :

( 6) هذه الشهادات مقتبسة من كتاب "ترجمة الشيخ سيدي محمد الكتاني الشهيد" للشيخ محمد الباقر الكتاني رحمه الله تعالى.
(7 ) أخرجه عن أبي هريرية مرفوعا الإمام أحمد (2/261)، و"البخاري" (6993)، و"مسلم" (5982) وفي (5984).
(8 ) أخرجه ابن ماجه (3901)، و"أبو يعلى" (6488)، والطبراني في "الكبير" (22/ 111) عن أبي جحيفة .
( 9) رواه البخاري في صحيحه (6137) عن أبي هريرة مرفوعا.
(10 ) طبع بدار الكتب العلمية، بتحقيق الدكتور إسماعيل المساوي وتصحيحنا.
(11 ) ص181.
( 12) وهما الآن قيد التحقيق، يسر الله كل عسير بمنه وكرمه.
( 13) ص186.







--------------------------------------------------------------------------------




من مواضيعي :

آخر تعديل بواسطة استبرق ، 17/05/2011 الساعة 02:15 PM
الرد باقتباس