عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 06/05/2011, 07:12 PM
صورة لـ alanfal
alanfal
المحبة لله ورسوله
السياحة وموضوعات عامة
 
الله اكبر الكلام الآثم.. ضياع للحظة العمرية

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المجادلة/ 9).

يخاطب الله تعالى المؤمنين بإستخدام اللسان عن طريق النجوى مع الآخرين فقط في مساحات تنفعهم، ويأمرهم تعالى بالإنتهاء عن إستخدام جارحة اللسان في مساحات تضرهم وتضر غيرهم فنهى الله – تعالى – عن الكلام في المساحات التالية:

1- "بالإثم":
أي لا يتكلم الإنسان بكل حرام يؤثم عليه، سواءَ كان كلاماً يتعلق به شخصياً، أو كلاماً يتعلق بمحاوره، فقد يأثمُ الإنسان وهو يتكلم عن الفواحش ويزيّنُها، أو يستهزئُ بالدين، أو يتكلمُ عن جرأته في القيام بالمعصية، ليزيدَ عدّادُ الإثم في مساحات كلامه الخاصة به، وقد يأثم وهو يتكلمُ مع غيره أو عن غيره في مساحة كلامية مُرسلة من ذاته إلى أخيه الإنسان، فقد يجرحه بكلمة تقتله في كرامته، أو يغتابُه، أو يتكلمُ في عِرضه، أو يستهزئ بأخيه الإنسان بمزحة مدمرة، أو يحقره متعالياً عليه أمام الناس... وغيره من أنواع الكلام المرسل الآثم.
فالكلام الآثم منهيٌّ عنه لأنّه ضياعٌ للحظة العمرية بل تدميرٌ لها بإستخدامها لجلب الخسائر لصاحبها عن طريق الكلمة اللسانية السلبية التي تسلُبُ خيراتِ صاحبها وتحرمُه من الإنتاج المفيد في زمنه الأرضي حيث تُقطّع أهم علاقة بعد الله – تعالى – علاقته بأخيه الإنسان، الذي لا يستطيع أن ينتج وينجح ويسعد من غيره، فالكلمة الآثمة صغيرة في زمنها عظيمة في خسائرها.

2- "والعدوان":
يعتدي الإنسانُ بلسانه على غيره، ويصنع حرباً مع محاوره دون الحاجة إليها، فنحن في الدنيا نملك هدفاً واحداً هو رضى الله والفوز بالجنة، ونحتاج في طريقنا إلى بعضنا بعضاً للإنتصار في حربنا المساريّة على أعدائنا المتعاونين ضدنا (النفس الأمارة بالسوء والهوى والشيطان)، ومن الغباء أن نبعثر طاقاتنا في حرب أهلية بين أصحاب الطريق بالإعتداء على بعضنا البعض بالكلمة العدوانية، ومن باب أولى أن أتواصى مع أخي الإنسان على أنفسنا الأمارة بالسوء ومستشاريهم.

ويقول (ص): "لا تكونوا عَوْنَ الشيطان على أخِيكم".
خالدٌ الذي أهملَ صلاتَه لفترة من حياته وغيّر أصحابه فتغيرت حياته تبعاً لذلك واختلّ توازنُه المساريُّ على الطريق، ليسع صاحبه أحمد مُنقذاً إياه بكلمات رائعة ومحاورة جذابة وتذكرة نافعة، آخذاً بيد أخيه إلى الصراط المستقيم مرّة أخرى في توحيد الجبهة الداخلية لأصحاب الصراط، على حين بعثرة الطاقات في إختلاف المسارات يؤدي إلى تفكك القوة النفسية للناس أصحاب الهدف الموحد من الدنيا.

إنّ الكلمةَ العُدوانيّةَ تضرُّ صاحبها وُستقبلها وتُزعجُ المجموعة المستمعةَ إليها كما تضرّ أصحاب الطريق إلى الهدف المنشود.
كمن قالَ لأخيه الإنسان هذه الكلمات المدمرة:

أنتَ فاشلٌ.
لا أثقُ بك.
ينقُصُكَ الذوقُ الراقي.
عليك أن تتعلّم قبلَ أن تتكلّمَ.
أنتَ أقلُّ من مُستواي... إلخ.

3- "ومَعصية الرسول":
فمن إستخدم لسانه في معصية الرسول فقد خسر خُسراناً عظيماً في الدنيا والآخرة، والرسولُ (ص) هو النموذج البشري الكامل للنجاح، الذي أرسلَه الله تعالى رحمة للعالمين تطبيقاً مرئياً للقرآن يتميّز بنموذجية الأداء حتى يُسهّلَ علينا كبشر تنفيذ أوامر الله – تعالى – حسب السقف التربوي الأمثل للتطبيق (شخصية عليه الصلاة والسلام)، واللبيب مَن استخدم لسانه بعيداً عن مساحة معصية الرسول يُقلده في كل حرف ينطقه، مُحفزاً قدراته الكلامية لتتجه إلى الإلتزام بطاعته، مؤمناً أن معصية الرسول بالتناجي دمار وإعصار حياتي يقلب الجمال إلى قبح والنجاح إلى فشل والسعادة إلى تعاسة، إلا من رحمَ ربي وأدركَ فأنابَ واستغفرَ.

وأمر الله – تعالى – الكلام بالمساحات النافعةِ التالية:

4- "وتناجوا بالبرِّ":
أمر الله تعالى التناجي بالبر الذي هو الخير المتنوع للإنسان الذي يقوم به السائر على الطريق كخطوات تقدمية إلى هدفه المنشود، وكمحطات منتجة يقفز عليها مسرعاً إلى مراده، فها هو يتناجى مع أخيه الإنسان بالكلمة التي تفرحه صدقاً، ويسعى إلى الإصلاح بين الناس، ويسعى إلى إيصال الخير بين المقتدر والمحتاج، ويستخدم اللسان في تشجيع من هو مسؤولٌ عنهم وإخراج الطاقات الكامنة داخلهم، كما يتكلمُ بعد عملية البحث الداخلي في قاموس الكلمات الذاتي مُنتقياً أجملها لإرسالها لأخيه الإنسان معرباً عن ودِّه له، وعن أهميته في حياته.
فمَنِ إستخدم لسانَه في أنواع البر المختلفة كمنْ قال لأخيه الإنسان فوق الأرض:

أنت مهمٌّ عندي.
إني أحبك.
أنا مسؤول عنك.
لا أستطيعُ أن أسعدَ بدونك فوق الأرض.
نجاحي لا يكمُلُ من غيرك.

5- "والتقوى:
أمَرَ الله تعالى التناجي وإستخدام اللسان في تقوى الله التي مفادها المراقبة الذاتية بغية تحقيق جودة المنتج اللساني (الكلمة) والأمر بالتقوى يعني أن نجعلَ الله بين أعيننا، وندرك أنّه – سبحانه – يرانا في السر والعلنِ.

- فمنِ إستخدمَ لسانَه بالتقوى:
كمنْ وظّف في ذاته مراقب جودة في مصنعه العقلي للإشراف على المنتج اللساني ممثلاً بالكلمة النافعة الخيّرة.
فالله – تعالى – أمر أن يستخدم اللسان بالبر المواكب للتقوى، حيث تعمل التقوى كجهاز رقابي داخلي لإنتاج الكلام من مساحة البر.

6- والله – تعالى – في نهاية الآية يشدد على تقوى الله مُذكّراً العباد أنّهم سيحشرون إلى الله الواحد الأحد.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المائدة/ 96).
فمَن اعتقدَ بالحشر في اليوم الآخر والحساب أمامَ الله الواحد الأحد، أصبحَت التقوى تحصيلاً منطقياً لإدراك واعٍ بعظمة الحشر وعظمة اليوم الآخر.
وإذا لخصنا الإستفادة من الآية الكريمة:

1- سنجدُ أنّ الله – تعالى – يأمرُنا بالتناجي في حدود معيّنة، حدّد فيها المساحات الممنوعة وحدّد المساحات المسموحة، وشدّد على وجود التقوى في النجوى مع الإعتقاد اليقيني بالحشر في اليوم الآخر عند الله الواحد الأحد، ويمكن صياغتها في النقاط التالية:

أ‌) المساحات الممنوعة:
- التناجي بالإثم سواء:
إثم ذاتيٌّ في مساحتي الشخصية.
إثمٌ متعدٍ في مساحتي مع أخي الإنسان.
- العدوان: الإعتداء باللسان على الغير وتفكيك الجبهة الداخلية للسائرين على الدرب إلى الهدف المنشود.
- معصية الرسول: الخسران العظيم في الدارين لمن عصى الرسول (ص) الذي يمثل التطبيق العملي النموذجي لكتاب الله.

ب‌) المساحات المطلوبة:
- التناجي بالبر:
هو إستخدام اللسان في أنواع الخير المختلفة.
- التناجي بالتقوى:
هو إستخدام اللسان مع وجود التقوى والتواصي بها، كمراقب جودة للمنتج الكلامي.

ج) شدّد الله – تعالى في نهاية الآية على الإنسان بأن يتقي الله الذي سيحشر إليه:
إنّه أمرٌ بالتقوى مواكبٌ للعقيدة السليمة واليقين بالحشر عند الله الواحد الأحد، ليحفزَ هذا الإعتقاد الإيماني لمزيدٍ من التقوى ولمزيدٍ من إتقان الكلمة المنتجة مع أخي الإنسان.

2- ونتعلمُ من هذه الآية الكريمة أهمية تعليم أنفسنا كيفية إستخدام جارحة اللسان والتدريب على ذلك في أفضل الفرص الإستثمارية في الحياة، ومن واجبنا تجاه أبنائنا أنْ نُخَرِّجَهُم من المحضن التربوي الأوّل (الأسرة) وهم يعرفون كيفية إستخدام جارحة اللسان والتدريب على مهارة الكلام النافع قبل أن يتخرّجوا من منزل أبويهم إلى العالم في إستقلال إجرائي طبيعي لصناعة أسرة مستقلة بهم، فمن تخرّج من بيته متدرباً على صناعة الكلام بما ينفعه في الدارين وفّر على نفسه الكثير من الزمن الضائع والمبعثر نتيجة العلاقة السيِّئة مع أخي الإنسان والتي قد تدمر القدرة على العمل من خلال فرق العمل الإنتاجية المختلفة في الحياة (الأسرة – العمل – النادي المسجد...)، ولذلك كان لزاماً على الوالدين تعليم وتدريب أنفسهم ثمّ أولادهم على كيفية إستخدام جارحة اللسان قبل تخريجهم من مدرسة البيت إلى العالم الخارجي، مؤمنين بتوجيه رسول الله (ص) الذي طلب من الرجل المحب لأخيه أن يعلن حبه بالكلمات المسموعة لمحبوبه، فإذا كان الحب في الله غير المرئي مطلوب منّا صياغته بكلمات مسموعة، فكيف بأفكارنا التي نريد أن نوصلها إلى الآخرين لنتبادل معهم المنافع في طريق واحد إلى الهدف المنشود، فمن الأولى أن نتعلمَ فنَّ صياغة الكلمة حتى تكونَ حياتنا – بإذن الله تعالى – أنفع وأكثرَ إتقاناً وأسعدَ.










من مواضيعي :

آخر تعديل بواسطة alanfal ، 06/05/2011 الساعة 10:46 PM
الرد باقتباس