عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 27/02/2011, 11:47 AM
pcac
هــادف
 
الرشد وحماية من الفتن

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين


وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين






تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة الثالثة)


لفضيلة المرشد العام للحركة الإسلامية المغربية الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي


تحديد الهدف ثبات في الأمر وعزيمة على الرشد وحماية من الفتن


قال تعالى:{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) }


لقد كانت الأمة الإسلامية أثناء نزول سورة آل عمران تمر بمرحلة عسيرة من مراحل نشأتها، وظروف قاسية شحذ فيها الخصوم أسلحتهم لاستئصال الدين الجديد والتشكيك فيه، والصرف عن اتِّباعه، وعرقلة بناء دولته وإقامة أمره الجامع، وهي ظروف تتجدد دوما في كل عصر، لما حُمِّلَتْه هذه الأمة من أمانة الدعوة والشهادة، وما لها من قابلية للاستمرار والبقاء والتجدد والمواءمة لكل ظرف، وما حباها ربها به من استعصاء على الاندثار والانتقاض، ولما يتداعى عليها بسبب ذلك من أعداء تواطؤوا على الباطل وتمادوا في الضلالة، وأمعنوا في الخصومة, قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )، وقال: ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ).
لذلك كان من مقاصد الوحي الكريم أن يزود المسلمين بأدوات للبناء والحماية والمدافعة مهما تغيرت الأحوال وتعاقبت الأجيال، كي يحتفظ كيانهم العقدي ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري والثقافي بحيويته ومناعته وقدرته على الاستمرار والعطاء.
ولئن كان حتما لكل سبيل مقصد يؤمه، ولكل مشروع غاية يبلغها، ولكل عمل هدف ينتهي إليه، ولكل توجه بوصلة تحدد موقعي وروده وصدوره، تلافيا لأي إهدار للجهد والوقت، أو تسيب في التصرف والعمل، أو اضطراب واختلاج في الخطو، أو تيه وضلال في الطريق، فقد حدد رب العزة تعالى أعلى ما ينبغي أن يطلبه المسلمون ويسعون إليه فرادى ومجتمعين، وأشرف ما يجب أن يبذلوا جهودهم لتحقيقه وتحصيله،كي يستعدوا للأمر، ويشحذوا له العزائم، ويعدوا له الأسباب والذرائع، وأوجز كل ذلك في كلمة واحدة جامعة لخيري الدنيا والآخرة هي:" البر" فقال:{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }.
والبر هو الإحسان وكمال الخير وشموله، من أصله اللغوي الذي هو التوسع فى فعل الخيرات، ورد في هذه الآية الكريمة مطلقا ومعرفا ب"ال"، للدلالة على شموله أفعالا كثيرة من حيث مضمونها وكميتها، وهو من العبد يعني الصدق والطاعة، يؤديان في الدنيا إلى حالة إيمانية يبلغها بالمجاهدة، عقيدة سليمة واضحة، وعبادة منضبطة بأوامر الشرع ونواهيه، ووفاء بعهد الله في السر والعلن والنوايا والمقاصد، ومشاعر طيبة تحب لله وتبغض لله. ومن الله تعالى يعني جزاءه على الطاعة، وهو دخول الجنة إكراما وإحسانا، قال تعالى:{ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } المؤمنون 111، وقال:{وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } العنكبوت 58.
ولئن كانت أعمال البر غاية سعي المؤمنين الأبرار، فإن كمال البر جائزته تعالى لهم، قال عز وجل:{ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } المطففين22/26، وقال:{ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} الإنسان 5/8.
إن هذه الآية الكريمة والتي قبلها تربطان أعمال الدنيا بنتائجها وعاقبتها في الآخرة ربطا منطقيا عادلا، وتُبَيِّنان بكل وضوح أن إنفاق الكافر ولو كان ملء الأرض ذهبا لا يقبل منه ولا يرفعه إلى درجة الأبرار في الدنيا، ولا ينيله بر الآخرة الذي هو الجنة، يمنعه من ذلك الشرك والإعراض عن منهج الله، ومأواه النار خالدا فيها ليس له من شفيع ولا ناصر { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } آل عمران 91، أما إنفاق المؤمن في كل أوجه الخير مهما قل فعبادة مقبولة تنيله بر الله وإكرامه وفضله وجنته: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } آل عمران92.
ولئن كان الإنفاق الواجب في الزكاة مقدرا ومن طيب المال: { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} البقرة 267،، فإن الإنفاق التطوعي المقبول قد قيد بوجوب كونه في سبيل الله ومن أحب ما لدى المرء وأطيبه، ولم تشترط فيه قلة ولا كثرة، ولا نوع أو صنف، لاختلاف ما يحبه الناس وما يملكونه، وما يستطيعون بذله قال تعالى:{ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} الطلاق7، وقال: { وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ } التوبة 121، وقال صلى الله عليه وسلم:( أفضل الصدقة جهد الـمُقِلِّ )، وقال:( اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة )، وقد ورد عن ابن عباس أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا وما الذي ننفقه منها فأنزل الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } والمراد بالعفو ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة، وكان الرجل قبل ذلك ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق به ولا ما يأكل. وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فحث على تجهيز جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان، رضي الله عنه: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حَثَّ، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرْقاة من المنبر ثم حثَّ، فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. فقال صلى الله عليه وسلم: ( ما على عثمان ما عمل بعد هذا ). وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني، فأُتِيَ فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته،وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله ). ذلك لأن العبرة في الإنفاق بالقصد والنوايا، وطيب المكسب، وحلية الانتفاع، مما لا يعلمه حق العلم إلا الله تعالى، ولذلك عقب عز وجل بقوله:{ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } يعلم مقاصد المنفقين ومكاسبهم ومقدار استجابة إنفاقهم لما رغب فيه الشرع، وما يستحقونه من جزاء.
إن الله تعالى عندما بين أن إنفاق الكافر لا ينفعه البتة في الآخرة، قد أرشد عقب ذلك إلى كيفية الإنفاق النافع في الآخرة بقوله:{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }، إلا أن ذلك وحده ليس كافيا لبلوغ منـزلة الأبرار والفوز بالجنة، لأن للبر شعبا وأعمالا وعبادات أخرى لابد من ارتيادها والانقياد لتكاليفها وأوامرها ونواهيها، واستجماع خصال الخير فيها، وتتويج كل ذلك بالإنفاق في سبيل الله. وهذا يقتضي أن من أنفق مما يحب ولم يأت بسائر الطاعات الأخرى لم يدخل تحت الآيات الدالة على عظم ثواب الأبرار. لذلك ورد التعبير في الآية بكلمة "حتى" الغائية:{ حَتَّى تُنْفِقُوا } أي أن الإنفاق مجرد نهاية الغاية بعد صفات البر الأخرى، التي بينها الوحي الكريم في سياقات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله عز وجل: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } البقرة 177، وقد خرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان فتلا: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ } حتى فرغ منها، ثم سأله أيضاً فتلاها، ثم سأله فتلاها وقال: ( وإذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك ).
إن المرء إذا عرف ما قصد هان عليه ما لقي في الطريق من المحن وما وجد، ومن كان هدفه المال فوجده عكف عليه، ومن كان المنصب همه وغايته انكفأ عليه وسجد له، ومن كانت وجهته الله تعالى ورضاه ثبت متمسكا بصراطه المستقيم، لم يصرفه عنه رغب أو رهب أو فتنة، ولم يثنه عنه إغراء شهوة أو منفعة أو جاه. لذلك بين رب العزة لأوليائه غاية سعيهم ومآل أعمالهم وحدد لهم الهدف الذي ينبغي أن يكون نصب أعينهم، لا يضلون عنه ولا ينسونه، وهو بره بهم ورضاه عنهم وإحسانه إليهم في الآخرة وإدخالهم الجنة وقال:{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }، وفي ذلك تثبيت لهم على الحق وحماية لهم من مكايدات المشركين وأهل الكتاب ومحاولاتهم الصرف عن الدين، لاسيما واليهود كانوا يتحينون كل فرصة للطعن في الإسلام ونبيه، ويتصيدون كل شبهة لبلبلة صف المسلمين وتشكيكهم في صحة الرسالة، ولما أباح الإسلام لحوم الإبل وألبانها ومطعومات أخرى كانت محرمة عليهم انطلقوا يشيعون أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس على ملة إبراهيم التي أعلن اتباعها والانتساب إليها، لأنه أباح محرمات من عهد إبراهيم، وأن نسخ الأحكام غير جائز في الشريعة، فنزل قوله تعالى عقب ذلك:
{ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ }. وقد ذكر الواحدي " أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: إنه على ملة إبراهيم قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نُحِلُّه، فقالت اليهود: كل شئ أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان على عهد نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فنزل قوله تعالى:{ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ... } "، والآية بذلك تكذيب لدعواهم، وتجهيل لهم بشريعتهم في التوراة، وتسفيه لما ذهبوا إليه من عدم جواز النسخ في الشرائع، وتأكيد أن الأطعمة كلها كانت حلالا من عهد إبراهيم قبل أن تنـزل التوراة، وأن ما حرم إسرائيل على نفسه كان مجرد نذر نذره إن شفي من مرض ألم به، فاتبعه أبناؤه فيه، أما المحرمات الأخرى عليهم فقد بين تعالى في آيات أخرى أنها كانت عقوبة لليهود على ما ظلموا، قال تعالى"{ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} الأنعام 146، وقال:{ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} النساء 160/161، وما دامت بعض المطعومات كانت مباحة لليهود قبل أن تنـزل التوراة ثم حرمت بنزولها فهذا عين النسخ عندهم، وهو النسخ نفسه في شريعة عيسى عليه السلام كما ذكر القرآن ذلك بلسانه:{ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}آل عمران 50، وهو كذلك ما ينكرونه على الإسلام إذ أباح لحوم الإبل وغيرها من الطيبات التي كانت محرمة عليهم بقوله تعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } الأعراف 157.
وإذ أصر اليهود على الطعن في الإسلام والتنفير منه، والزعم بأنه أباح ما كان محرما في ملة إبراهيم، جهلا منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم، تحداهم القرآن بقوله تعالى:
{ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي: هاتوا التوراة التي بين أيديكم فاقرؤوها ليتبين المحق من المبطل والصادق من الكاذب. إلا أنهم لم يجرؤوا على الاستجابة للتحدي ولم يأتوا بالتوراة للمجادلة بفحواها، فانقطعت حجتهم ونكصوا على أعقابهم، وتبين بشواهد المعقول والمنقول وجه الحق والسداد والصدق في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وما أخبر به عن ربه، ولذلك عقب عز وجل على واهن رأيهم وانقطاع حجتهم وقال محذرا من التمادي في الكذب والافتراء والمجادلة بالباطل:
{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} والافتراء هو الكذب والاختلاق، أي: فمن استمر على الكذب على الله وتزييف حقائق التشريع الرباني فقد ارتكب الظلم الأكبر وهو الكفر والشرك، قال عز وجل:{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لقمان 13.
وإذ أسفر الحق اليقين، واتضح لعقلاء المخاطبين بالبينات الملزمة التي لا ريب في صحتها ولا مساغ للشك فيها أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المتبع لملة إبراهيم والعارف بها، أمره ربه عز وجل بأن يجدد الدعوة إليها ما دامت هي دعوة الإسلام الذي جاء به، فقال تعالى:{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، أي قل لهم: لقد صدق الله تعالى في كل ما أخبر به، وتبين دليل ذلك وحجته، فلم يبق لكم إن كنتم تبحثون عن الحق وتودون الوصول إليه إلا أن تتبعوا ملة الإٍسلام التي هي ملة إبراهيم نفسها { فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} إبراهيم الذي حنف عن الباطل ومال عنه وتجنبه، ولم يشرك بالله شيئا { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } أي: ما كان من اليهود في ادعائهم أن عزيرا ابن لله، أو من النصارى في زعمهم لله الصاحبة والولد- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.
فهل استجاب اليهود لنداء العقل والنقل، وهل كفوا عن الافتراء والمماحكة والتعنت، وتخلوا عما ارتاضوا عليه من سيئ اللجاج وصلف المراء، في تاريخهم الطويل من عهد موسى عليه السلام ؟ ذلك ما لم يكن، وتلك طباع منهم مردوا عليها وأصبح نقلهم عنها ممتنعا،وصرفهم عنها متعذرا، فما تكاد تُرَدُّ شبهة لهم، حتى يثيروا شبهة أخرى، كما في سياق هذه الآيات الكريمة، وكانوا يفاخرون المسلمين ويقولون: "بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنها مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة "، فلما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة طعنوا في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن بيت المقدس أحق بالاستقبال وهو أرض المحشر وجميع الأنبياء يعظمونه، ولو كان محمد نبيا لعظمه أيضا، فنزل للرد عليهم قوله تعالى:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }.
والمراد بقوله تعالى:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ } أن المسجد الحرام أول بيت وضع لعبادة الناس في الأرض قبل بيت المقدس، طمره طوفان نوح فأعاد إبراهيم الخليل بناءه ورفع قواعده.
وقد روى البخاري عن أبي ذر قال: قلت:" يا رسول الله أي مسجد وضع أولَ؟ " قال: ( المسجد الحرام )، وعن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: " ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟" فقال:" لا ولكنه أول بيت وضعت فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً "، وفي رواية:" قد كانت قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للعبادة "، وفي رواية عن أبي رجاء قال:" سأل حفص الحسن - وأنا أسمع - عن قوله تعالى:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} آل عمران 96، فقال:" هو أول مسجد عُبِد الله فيه في الأرض".
وبكة اسم لمكة المكرمة، والباء والكاف أصل يفيد التزاحُمَ والمغالبة، سُمّيتْ بكّةَ لأنّ النّاسَ يبكُّ بعضُهم بعضاً في الطَّواف ويتدافعون، وقيل أبدلت الميم في لفظ" مكة " بالباء من باب الإبدال، كقولك: طين لازب ولازم، وأربد وأرمد إذا كان في لون الرماد. أما مكة فاشتقاق اسمها من أصله اللغوي:"مَكَّ " أي:امتص، يقال مَكَّ الفصيل الضرع إذا امتص جميع ما فيه، وامتك العظم إذا استخرج مخه، سميت بذلك لقلة مائها وكون أهلها يَمْتَكُّون الماء من الآبار، أي يستخرجونه.
ثم أردف تعالى بذكر صفات البيت الحرام التي تميزه عن سائر بيوت العبادة فقال:
{ مُبَارَكًا} من البركة، وهي النماء والزيادة والدوام، أي: عظيم الخيرات الحسية والمعنوية والروحية دائمها في الدين والدنيا.
{وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} قبلة يهتدون بها إلى جهة صلاتهم، فتشعرهم بوحدتهم أينما كانوا، وتذكرهم بما يقربهم من الله ويوصلهم إلى رضاه وجنته.
{فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أي: فيه علامات ظاهرة تبين فضله، ودلائل واضحة على شرف منـزلته وعلو قدره، منها إهلاك أبرهة بطير الأبابيل إذ أراد البيت بالسوء، ونبع زمزم لهاجر ورضيعها إسماعيل، وأن ماءه لما شرب له، والحجر الأسود والمشاعر كلها، ومنها قوله تعالى عقب ذلك:
{ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وهو الحجر الذي فيه أثر قدَمي إبراهيم عليه السلام في الصخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة، كما يعني أيضا المسجد الحرام لأنه محلّ قيامه للصلاة والطواف، قال تعالى:{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } البقرة 125 .
{ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} آمنا في نفسه وماله، على تفصيل في الأحكام الشرعية إن كان المرء متابعا في جناية أو حد، فإن جنى خارج الحرم ثم التجأ إليه عصمه لقوله تعالى:{ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا }، كما ذهب إليه عبد الله بن عباس إذ قال:" إن جنى في الحل ثم التجأ إلى الحرم لا يقتص منه، لكنه لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج من الحرم فيقتص منه"، وهو رأي الحنفية والحنابلة. أما المالكية والشافعية فيرون الاقتصاص منه، سواء كانت الجناية في النفس أو غيرها، مستدلين بنصوص نبوية منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قيل له إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: ( اقتلوه ).
أما من جنى في الحرم فقد اتفق الفقهاء على الاقتصاص منه في كل الأحوال، لأنه انتهك حرمة بيت الله تعالى، قال عز وجل: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }الحج 25، وقال :{ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} البقرة 191.
لهذه المميزات التي تفرد بها البيت الحرام، ولغيرها مما في علم الله وحكمته، فرض الحق سبحانه الحج على المسلمين فقال عقب ذلك:
{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} فكان الحج ركن الإسلام الخامس، كما ورد صحيحا عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام فقال: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتوتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ).
هذه الآية هي دليل وجوب الحج عند الجمهور، وجوبه بالنص والإجماع مرة واحدة في العمر لمن استوفى شروطه، وهي الإسلام والعقل والبلوغ والاستطاعة ووجود المحرم مع المرأة، ويدخل في الاستطاعة القدرة البدنية وأمن الطريق وحاجات السفر ركوبة وزادا، ونفقة الأهل في فترة الغياب للحج. عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا )، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال: ( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم )، ثم قال: ( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ).
وعندما حاول اليهود مغالطةالمسلمين في دينهم وقالوا "فنحن مسلمون" عقب نزول قوله تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 85، فضح الرسول صلى الله عليه وسلم مكرهم وزيف دعواهم وقال لهم: ( إن الله فرض على المسلمين حج البيت ) فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، فأنزل الله قوله:
{ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } والكفر صنفان، كفر نعمة إن كان المرء معترفا بوجوب الحج ولم يحج مع الاستطاعة، وكفر مروق من الدين إن جحد وجوبه وأنكره، والآية تشمل الصنفين معا. ولذلك قال تعالى: { وَمَنْ كَفَرَ } أي بالنعمة أو بالدين { فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } وغناه تعالى مطلق عن جميع الخلق طائعين وعصاة.
بهذه الآيات الكريمة بين عز وجل للمسلمين أولا غاية وجودهم وهدف عبادتهم وجعل البر الذي هو رضوان الله والجنة، زاد طريقهم وإكسير حياتهم، وعاقبة أمرهم ومآل آخرتهم، ثم رد ثانيا على ادعاءات اليهود ومغالطاتهم ومحاولاتهم تشكيك المسلمين في دينهم، وأبطل ما زعموه في أمر الأطعمة حلها وحرامها، وما افتروه من المفاضلة بين المسجد الحرام وبيت المقدس، وتاريخ الرسالات معاصرها للبعثة النبوية وسابقها. ثم شرع في توبيخهم على مكرهم وعنادهم وجحودهم للحق، ومحاولاتهم الدس وإثارة الفتن بين المسلمين فقال عز وجل:
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } تهديد ووعيد لأهل الكتاب المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولليهود منهم بصفة خاصة، لكفرهم بالقرآن الكريم وإنكارهم ما ورد في كتبهم من دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ونبوته، وغفلتهم عما ينتظرهم في الآخرة، والله يعلم أعمالهم ويشهد عليها ويحاسبهم بها. وقد نزلت هذه الآية والتي بعدها إلى قوله تعالى: { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } آل عمران 105، بسبب رجل من اليهود حاول الإغراء بين الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق: " حدثني الثقة عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس - وكان شيخاً قد عسا [[1]] في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب: أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا، السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم. فقال: ( يا معشر المسلمين: الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ؟ )، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع ".
وبعد أن أنكر عليهم في هذه الآية ضلالهم وكفرهم في أنفسهم شرع في توبيخهم ثانية على ما يقومون به من محاولة إضلال غيرهم فقال عز وجل:
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ } أي: يا معشر من يدعي التصديق بكتب الله توراة وإنجيلا .
{ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ } لم تصرفون عن دين الله من آمن به، وتضلونهم عن سبيله.
{ تَبْغُونَهَا عِوَجًا } تطلبون لصراطه المستقيم الزيغ والاعوجاج والميل عن الحق عقيدة وشريعة وأعمالا.
{ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ } تشهدون دلائل صحة الرسالة المحمدية وآيات صدق رسولها وحجج ما جاء به.
{ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد آخر لهم بسوء العاقبة عند الله تعالى لما يرتكبون من صد عن الإسلام، ومحاولة إضلال أتباعه، ووعيد لهم بالهوان والعذاب في الآخرة، وإنذار لهم بأن الله تعالى محيط بجميع نواياهم وأقوالهم وأعمالهم وليس غافلا عنها.
ثم أقبل عز وجل على عباده المؤمنين رحمة بهم وتأنيساً لهم وتحذيرا من إغواء الكفار وإضلالهم، فناداهم بوصف الإيمان، كي تطمئن قلوبهم به فيثبتوا عليه ويتمسكوا به، ويوقظ النداء في عقولهم ما تقتضيه العقيدة من فطنة ويقظة وحرص على الدين وحذر مما يدبره أعداءه من أهل الكتاب والمشركين فقال:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } ولئن كان سبب نزول هذه الآية هو ما وقع بين الأوس والخزرج من خلاف وخصومة، فإن الخطاب فيها عام لجميع المسلمين، لذلك لم يقيد الله تعالى الطاعة بزمان أو مكان أو حادثة، بل قال:{ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } جعل الطاعة مطلقة تفيد التحذير من اتباع أهل الكتاب كافة، لأن حرف "من" في قوله تعالى { فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ليست للتبعيض، ولكنها لبيان الجنس، وتقدير الآية الكريمة:" إن تطيعوا فريقا هو الذين أوتوا الكتاب"، وذلك لأنهم لا يضمرون المحبة ولا النصح للمؤمنين، غايتهم الفتنة والصرف عن الإسلام.
إن الطاعة في المفهوم الشرعي عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى، منه يتلقى المرء منهج حياته وقواعد سلوكه وضوابط عواطفه ومشاعره وعلاقاته، فإن صرفت الطاعة لغير الله واقتبست المناهج والتصورات من سواه كان الضلال بما يحمله من ملامح الشك في العقيدة ومصدرها وأداة تبليغها، وكان الكفر تبعا لذلك نتيجة له. إلا أن عدم طاعة أهل الكتاب لا يعني عدم البر بالمسالمين منهم والقسط في معاملتهم، قال تعالى:{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } الممتحنة 8.
إن العقيدة حصن دفاع الأمة الإسلامية، وسفينة نجاتها في الدنيا والآخرة، وأعداؤها في كل عصر يحرصون على تعتيم تصورات المسلمين الإيمانية، كي تختل مناهج حياتهم ويفسد نظام جماعتهم ويلتبس عليهم أمرهم، لذلك منذ تعكر مشربهم بتعدد مصادر التلقي العقدي ضعفت مناعتهم وأصبحوا في أشد حالات التخلف والتشردم والتمزق والتناحر، وتألب عليهم أعداؤهم يعيثون فيهم فسادا وإفسادا وإضلالا، وقتلا وسفكا للدماء وانتهاكا للأعراض، ونهبا للثروات وتحكما في العباد والبلاد، واستغلالا دنيئا لحاجات الفقراء.
لهذا كان النداء الرباني في هذه الآية الكريمة بحق تحذيرا قويا وصارما من أخطر أبواب الفتنة ومزالق الضلال، وهو شرك الطاعة، طاعة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } أي: أنكم إن لنتم لأهل الكتاب وقبلتم أقوالهم استدرجوكم من حال إلى حال، إلى أن تصيروا كفارا، تكفرون بأخوة العقيدة ورباط الإيمان وتعطلون كتاب الله وسنة نبيه، فتتفرق كلمتكم ويتمزق صفكم أعراقا وألوانا وأجناسا وقوميات، ويكون بأسكم بينكم شديدا, فتسقطون في الكفر من حيث تعلمون أو لا تعلمون، وذلك مبتغى أعداء دينكم، قال تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق } البقرة 109.
ثم عقب تعالى على هذه الآية الكريمة باستفهام يراد به استبعاد سقوطهم في الكفر ونفي رجوعهم عن الإسلام فقال:{ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } سؤال إعجاب بثباتهم على الدين وتمسكهم بالإيمان، واستبعاد لوقوع الكفر منهم والقرآن يتلى عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل إعجابه عليه الصلاة والسلام بمن يأتي بعده فيؤمن به من غير أن يراه، فيما روي صحيحا عنه إذ قال لصحابته رضي الله عنهم: ( أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ )، قالوا: الملائكة، قال: ( وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ )، وذكروا الأنبياء، قال: ( وكيف لا يؤمنون والوحي ينـزل عليهم؟ )، قالوا: نحن، قال: ( وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ )، قالوا: فمن يا رسول الله؟، قال: ( قوم يأتون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بها ).
إن الكفر من المسلمين بعيد، ما تمسكوا بكتاب الله يتلونه حق تلاوته ويعملون بشرائعه، ويتبعون سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم يقتدون بها ويسترشدون ببيانها في حياته وبعد مماته. قال تعالى:{ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}الحديد 8/9, وقال صلى الله عليه وسلم:( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله ).
ثم تَوَّج عز وجل هذه الآيات الكريمة بقاعدة إيمانية مطلقة لا يضل من ركن إليها ولا يخيب من اتخذها منهجا، ولا يشقى من أودعها قلبه وجدانا راقيا وعاطفة زكية ونفسا طيبة لوامة فقال:
{ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ولفظ: "يعتصم" من أصله اللغوي: عَصَمه يَعْصِمُه عَصْماً أي: منَعَه ووَقَاه، والعصمة: المنع والوقاية، وعِصْمَةُ الله عبدَه: أن يعصمه مما يوبقه، وفي التنـزيل:{ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ } هود 43،
والاعتصام بالله في جوهره وحقيقته هو الإيمان به والعمل بما يرضيه، والتمسك بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك سبيل الهداية إلى صراطه المستقيم في الدنيا، ودخول جنته في الآخرة { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } النساء 69/70.
وبعد، لقد حوت آيات هذه الحلقة من التفسير جُمَّاعَ الأمر في حياة الأمة الإسلامية، حددت الهدف الأقصى للجهد والعبادة، وهو البر المطلق، رضوان الله وجنته، ووضعت أداة للسعي نحو هذا الهدف هي جميع الطاعات متوجة بالإنفاق الطيب في نفسه ومصدر كسبه، وحذرت من طاعة أعداء الإسلام والاستماع لافتراءاتهم والاستنامة لمكرهم وتخذيلهم وتشكيكهم، ثم أرشدت إلى ما يقي ويحفظ وينجي، وهو الاعتصام بالله تعالى والتمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. كل ذلك سبيل الثبات على الحق والعزيمة على الرشد والحماية من الفتن.




من مواضيعي :
الرد باقتباس