عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 28/07/2009, 10:21 PM
مؤمن
مُتـواصل
 
قصة اصحاب القرية

ذكر أصحاب القرية في القرآن الكريم

قال الله تعالى في سورة يس من الآية رقم 13 إلى الآية رقم 29 :

" واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما

فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من

شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ

المبين * قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا

طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون * وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى

قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد

الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني

شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون *

قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين *

وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة

واحدة فإذا هم خامدون " .



سيرتهم

يحكي الحق تبارك وتعالى قصة أنبياء ثلاثة بغير أن يذكر أسمائهم ، كل ما

يذكره السياق أن القوم كذبوا رسولين فأرسل الله ثالثا يعزرهما.

ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية ، وقد اختلفت

فيها الروايات.

وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد

شيئا في دلالة القصة وإيحائها .

لكن الناس ظلوا على إنكارهم للرسل وتكذيبهم وقالوا :

(( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ))

وهذا الاعتراض المتكررعلى بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك

كما يبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول.

قد كانوا يتوقعون دائما أن يكون هناك سر غامض في شخصية الرسول وحياته

تكمن وراءه الأوهام والأساطير..

أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار

فيها ولا ألغاز حولها ؟

وهذه هي سذاجة التصور والتفكير ، فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة

للنبوة والرسالة ، فالرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية ، وحياة الرسول هي النموذج

الواقعي للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي.

النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به ، وهم بشر ، فلا بد أن يكون رسولهم

من البشر ليحقق نموذجا من الحياة يملكون هم أن يقلدوه.

وفي ثقة المطمئن إلى صدقه ، العارف بحدود وظيفته أجابهم الرسل:

إن الله يعلم ، وهذا يكفي.

وإن وظيفة الرسل البلاغ ، وقد أدوه ، والناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون

لأنفسهم من تصرف ، وفيما يحملون في تصرفهم من أوزار ، والأمر بين

الرسل وبين الناس هو أمر التبليغ عن الله فمتى تحقق ذلك فالأمر كله بعد ذلك

إلى الله.

ولكن المكذبين الضالين لا يأخذون الأمور هذا المأخذ الواضح السهل اليسير

ولا يطيقون وجود الدعاة إلى الهدى ويعمدون إلى الأسلوب الغليظ العنيف

في مقاومة الحجة لأن الباطل ضيق الصدر.

قالوا :

إننا نتشاءم منكم ، ونتوقع الشر في دعوتكم ، فإن لم تنتهوا عنها فإننا لن

نسكت عليكم ، ولن ندعكم في دعوتكم :

(( قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ))

هكذا أسفر الباطل عن غشمه ، وأطلق على الهداة تهديده ، وبغى في وجه كلمة

الحق الهادئة .

ولكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمضي في الطريق :

(( قالوا طائركم معكم ))

فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة من خرافات الجاهلية.

والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة ، وأن حظهم ونصيبهم من خير ومن شر

لا يأتيهم من خارج نفوسهم ، إنما هو معهم ، مرتبط بنواياهم وأعمالهم

متوقف على كسبهم وعملهم.

وفي وسعهم أن يجعلوا حظهم ونصيبهم خيرا أو أن يجعلوه شرا.

فإن إرادة الله بالعبد تنفذ من خلال نفسه ، ومن خلال اتجاهه ، ومن خلال عمله.

وهو يحمل طائره معه ، هذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح.

أما التشاؤم بالأمكنة أو التشاؤم بالوجوه أو التشاؤم بالكلمات ، فهو خرافة لا تستقيم

على أصل .

وقالوا لهم : (( أَئِن ذكرتم ))

أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم .

أفهذا جزاء التذكير ؟

(( بل أنتم قوم مسرفون ))

تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير ، وتجازون على الموعظة بالتهديد والوعيد

وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب .



الجهر بكلمة الحق

لا يقول لنا السياق ماذا كان من أمر هؤلاء الأنبياء ، إنما يذكر ما كان من أمر

إنسان آمن بهم ، آمن بهم وحده..

ووقف بإيمانه أقلية ضعيفة ضد أغلبية كافرة ..

جاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق ، وفي كفهم

عن البغي ، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.

ويبدو أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان ، ولم تكن له عشيرة تدافع عنه إن وقع

له أذى ، ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة

إلى أقصاها.

فقال لهم :

اتبعوا هؤلاء الرسل ، فإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة ، وهو لا يطلب أجرا

ولا يبتغي مغنما ، إنه لصادق.

وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفا من الله ؟

ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة ؟

ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة ؟

والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم ، وهو لا يجني من ذلك كسبا

ولا يطلب منهم أجرا ؟

وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم ، فهم يدعون إلى إله واحد ، ويدعون إلى

نهج واضح ، ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض ، فهم مهتدون

إلى نهج سليم ، وإلى طريق مستقيم.

ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه هو وعن أسباب إيمانه ، ويناشد فيهم الفطرة التي

استيقظت فيه فاقتنعت بالبرهان الفطري السليم.

فلقد تسائل مع نفسه قبل إيمانه ، لماذا لا أعبد الذي فطرني ؟

والذي إليه المرجع والمصير ؟

وما الذي يحيد بي عن هذا النهج الطبيعي الذي يخطر على النفس أول ما يخطر ؟

إن الفطر مجذوبة إلى الذي فطرها ، تتجه إليه أول ما تتجه ، فلا تنحرف عنه

إلا بدافع آخر خارج على فطرتها ، والتوجه إلى الخالق هو الأولى.

ثم يبين ضلال المنهج المعاكس ، منهج من يعبد آلهة غير الرحمن لا تضر ولا تنفع..

والآن وقد تحدث الرجل بلسان الفطرة الصادقة العارفة الواضحة يقرر قراره

الأخير في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين.

لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد ومن كل تكذيب:

(( إني آمنت بربكم فاسمعون ))

هكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة ، وأشهدهم عليها ، وهو يوحي إليهم

أن يقولوها كما قالها ، أو أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون .



استشهاده المؤمن ودخوله الجنة

يوحي سياق القصة بعد ذلك أن القوم الكافرين قتلوا الرجل المؤمن.

وإن كان لا يذكر شيئا من هذا صراحة ، إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها

وعلى القوم وما هم فيه ، ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق

متبعا صوت الفطرة ، وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل.

نراه في العالم الآخر ، ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة ، تليق بمقام

المؤمن الشجاع المخلص الشهيد :

(( قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني

من المكرمين ))



إهلاك أصحاب القرية بالصيحة

كان جزاء الطغيان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره.

فهو ضعيف ضعيف :

(( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت

إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ))

لا يطيل هنا في وصف مصرع القوم ، تهوينا لشأنهم ، وتصغيرا لقدرهم

فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم ، ويسدل الستار على مشهدهم

البائس المهين الذليل .



اختصار للحوار بين أصحاب الحق و أهل الباطل

قال الله تعالى :

(( واضرب لهم مثلا ))

يعنى لقومك يا محمد ( صلى الله عليه وسلم )

(( أصحاب القرية ))

يعني المدينة

(( إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ))

أي أيدناهما بثالث في الرسالة

(( فقالوا إنا إليكم مرسلون ))

فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم ، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم ، يستبعدون

أن يبعث الله نبيا بشريا .

فأجابو بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام

(( وما علينا إلا البلاغ المبين ))

أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل

من يشاء .

(( قالوا إنا تطيرنا بكم ))

أي تشاءمنا بما جئنمونا به

(( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ))

قيل بالمقال ، وقيل بالفعال ، ويؤيد الأول قوله :

(( وليمسنكم منا عذاب أليم ))

توعدم بالقتل والإهانة .

(( قالوا طائركم معكم ))

أي مردود عليكم

(( أئن ذكرتم ))

أي بسبب أنا ذكرنا بالهدى ودعوناكم إليه ، توعدتمونا بالقتل والإهانة

(( بل أنتم قوم مسرفون ))

أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه .

وقوله تعالى :

(( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ))

يعنى لنصرة الرسل وإظهار الإيمان بهم

(( قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ))

أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة .

ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع

شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة .

(( إني إذا لفي ضلال مبين ))

أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه سواه .

ثم قال مخاطبا للرسل :

(( إني آمنت بربكم فاسمعون ))

قيل :

فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم ، وقيل معناه :

فاستمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة .

فعند ذلك قتلوه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : نصح قومه في حياته بقوله :

(( يا قوم اتبعوا المرسلين ))

وبعد مماته في قوله :

(( يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ))

تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه




من مواضيعي :
الرد باقتباس