عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 16/06/2009, 10:27 AM
صورة لـ تيماء
تيماء
مُثــابر
 
ربيع الأخوة الحقيقية !

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : << لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه >> (صحيح مسلم [45] ج1 ص67).. أي لا يبلغ أحدكم مبلغ الإيمان الكامل الراسخ.. إلا إذا عمرت نفسه بمحبة أخيه الإنسان.. وإذا عمرت النفوس بالمحبة.. تلاقت النفوس.. فأصبح كل واحد للآخر.. كالبنيان المرصوص.. يشد بعضه بعضاً .. وإذا وصلت النفوس إلى هذا المعنى.. وسبحت في هذا الجو الإيماني.. وعاشت الجماعة تحت شعار المحبة.. والتعاون المشترك بين الجميع.. كان الله معهم في حياتهم الدنيا والآخرة.. ووفقهم إلى ما يحبه ويرضاه..

أخِلاَّء الرَّخاء همُ كثير
ولكن في البلاء همُ قليل
فلا تغررك خلَّة من تؤاخي
فما لك عند نائبة خليل
وكل أخ يقول أنا وفيٌّ
ولكن ليس يفعل ما يقول
سوى خلِّ له حسب ودين
فذاك لما يقول هو الفعول


وقد عرف البعض الأخوَّة.. على أنها : "انسجام وتآلف بين الأرواح المتحابة.. حتى تغدو روحاً واحدة.. تسري في أجساد المتآخين.. وتجعل منهم جسداً واحداً.. له قلب واحد.. وفكر واحد.. وشعور واحد".. وقيل : الأخ.. هو كالشجرة.. التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. وهو كالعين النابضة بالحياة.. وهو كالمشكاة التي تلقي نورها.. وهو كالشمس ينتشر ضياؤها.. وهو وهج في ظلام الليل.. ومن أحب الأخوان.. من سد خلل.. وغفر الزلل.. وقبل العلل..

أخوك الذي لا ينقض الدهر عهده
ولا عند صرف الدهر يَزْوَرُّ جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى
وإن غبت عنه لَسَّعَتْكَ عقاربه


قال المأمون :" الإخوان ثلاث طبقات : طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه.. وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحياناً.. وطبقة كالداء الذي لا يحتاج إليه".. فالطبقة الأولى : هي الأخوة التي نقصدها في مقالنا.. فهم كالغذاء.. أو كالروح في الجسد.. لا يمكن الاستغناء عنها.. أو العيش من دونها.. فهم الخلة الصالحة.. والندماء الذين لا يفترقون.. وهم سند ودعامة المرء في مواجهة الحياة.. أما الطبقة الثانية: فهي لا تصل إلى الطبقة الأولى في السمو والرفعة.. وإنما أقل منها مرتبة.. فلا تصل إلى درجة الأخوة الحقيقية.. أو الصحبة المثالية.. والتي تسمو وتتألق كلما مر عليها الزمن.. وينطبق على الطبقة الثانية هذا القول :" قد يجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم.. فيكون افتقارك إليهم في لين كلمتك وحسن بشرك.. ويكون استغنائك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك".. فقد يجتمع في القلب الافتقار إليهم في بعض الأحيان والاستغناء عنهم.. أما الطبقة الثالثة: وما أكثرها في عصرنا الحاضر فهي كالداء العضال الذي يفتك ويدمر ويبيد.. فالبعد عنهم أسلم.. والتخلص منها مغنم..

إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفاً
فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة
وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه
ولا كل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
فلا خير في ود يجيء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله
ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشاً قد تقادم عهده
ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا


عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : << يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة>> .. فطلع رجل من الأنصار تنظف.. لحيته من الدفع.. قد تعلق نعليه في يده الشمال.. فلما كان الغد.. قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.. فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى.. فلما كان اليوم الثالث.. قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً.. فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى.. فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم .. تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ـ أي تبع الرجل ـ فقال: إني لأحيت أبي.. فأقله عليه وسلم سمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً.. فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت.. قال: نعم.. قال أنس : فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي.. فلم يره يقوم من الليل.. غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى تقوم صلاة الفجر.. قال عبدالله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً.. فلما مضت الثلاث.. وكدت أن أحتقر عمله.. قلت يا عبد الله : لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة.. ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات : <<يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة>>.. فطلعت أنت الثلاث المرات.. فأردت أن آوي إليك.. لأنظر ما عملك فأقتدي به.. فلم أرك تعمل كبير عمل.. فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.. قال : ما هو إلا ما رأيت.. قال : فلما وليت دعاني.. فقال: ما هو إلا ما رأيت.. غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً.. ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله عز وجل إياه.. فقال عبد الله : هذه الذي بلغت بك وهي التي لا نطيق >> (الأحاديث المختارة [2619] ج7 ص187)..

خير إخوانك المشارك في المرِّ
وأين الشريك في المرِّ أينا
الذي إن شهدت سرَّك في
الحي وإن غبت كان سمعاً وعينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم
بدَّلوا كلَّ ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعاً
أنت من أكرم البرايا علينا
ما أرى للأنام وداً صحيحاً
صار كلُّ الوداد زوراً ومينا


يتصور البعض الأخوَّة.. تصوراً مثالياً.. بعيداً عن الواقع.. ويريدها أن تكون مطابقة لبعض الأوهام أو لخيال الكتاب.. وينسى أن الأخوة.. إنما هي علاقة بين البشر .. بشر لهم أخطاؤهم.. ونقاط ضعفهم.. وأمزجتهم المختلفة.. وطرقهم المتباينة في الحياة..

جامل أخاك إذا استربت بوده
وانظر به عقب الزمان العائد
فإن استمر به الفساد فخلَّه
فالعضو يقطع للفساد الزائد


الأخوة الحقيقية.. ليس هي الأخوة المجردة من الأخطاء.. بل هي الأخوة المجردة من الأنانية والكبر.. والغل والحقد.. والحسد والغش.. الأخوة القائمة على التفاهم والتسامح والإيثار والتضحية.. القائمة على الرضوخ للحق والتراجع عن الخطأ.. القائمة على الرفق بأخطاء الآخرين.. والتماس الأعذار لهفواتهم.. والثقة بنواياهم.. ومن منا لا يخطئ؟!..

أخاك أخاك فهو أجلُّ ذخر
إذا نابتك نائبة الزمان
وإن رابت إساءته فهبها
لما فيه من الشيم الحسان
تريد مهذباً لا عيب فيه
وهل عود يفوح بلا دخان


منـــقول




من مواضيعي :
الرد باقتباس