الموضوع: عرفه
عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 18/12/2007, 01:53 PM
الفارس الاخير
مُخلــص
 
الله اكبر عرفه

يوم عرفة

كتب الاستاذ محمد عبد الحميد العدوي

يوم عرفة هو: اليوم التاسع من ذي الحجة، حيث يقف الحجيج بعرفات (على بعد اثني عشر ميلاً من مكة)، والوقوف بعرفات ركن الحج الأعظم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الحج عرفة”، وهو يوم مبارك يشهد لفضله قول الله عز وجل: “والفجر وليال عشر” فالله عز وجل يقسم ببعض مخلوقاته لبيان فضلها، وقسمه سبحانه بالليالي العشر لبيان منزلتها، والترغيب بالعمل الصالح فيها، والمراد بالليالي العشر: العشر الأول من ذي الحجة. كما قال ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف. ولما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام” يعني عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء”.

صيام يوم عرفة


وهذه الأيام العشر المباركة تتوج بيومين عظيمين من أيام المسلمين، هما (يوم عرفة) و(يوم النحر) أما يوم عرفة فقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه لمن لم يكن حاجاً، روى الإمام مسلم عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة، فقال: “احتسب على الله ان يكفر السنة الماضية والآتية”، وأما الحاج فيستحب له الفطر وذلك لما رواه البخاري عن أم الفضل بنت الحارث أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه. كما رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر والدعاء يوم عرفة، فقد روى الترمذي في الحديث الصحيح بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خير الدعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”.

ويوم عرفة يوم مشهود، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه الله منه”.

وحق ليوم عرفة ان تكون له هذه المنزلة، وأن يتصف بهذه الصفة (اليوم المشهود)، ولعل في ما رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما يوضح لماذا كان ليوم عرفة هذا الشأن، فقد قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء” وفي مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: “إن الله عز وجل يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً”، فهو يوم عالمي يأتي فيه المؤمنون من شتى بقاع الأرض مخلفين من ورائهم الدنيا ومتاعها الزائل، تاركين الأهل والأحباب، متجردين من كل مظاهر الزينة ودواعي العجب والرياء، متجشمين عناء السفر، غير عابئين بتكاليفه أو مخاطره، قلوبهم تخفق فرحاً ووجلاً، وعيونهم تذرف الدمع خوفاً وطمعاً، يرفعون أكف الضراعة سائلين الله عز وجل التوبة والمغفرة.

إعلان الولاء للخالق


في هذا اليوم المبارك يلبي أهل الإيمان دعوة الخالق جل وعلا “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق” (الحج 27)، ليعلنوا ولاءهم له سبحانه وبراءتهم من كل صور العبودية لغيره، وليجددوا العهد معه بلزوم طاعته، والعمل على ما يرضيه.

ومن أجل ذلك استحق الحجيج ان يقترب الله عز وجل منهم ويباهي بهم ملائكته، وأن يشملهم بواسع جوده وكرمه، ولتقف على ما ينبغي ان يكون عليه الحاج من إخلاص، واقبال على الله عز وجل، وانقطاع عن حظوظ الدنيا حتى ينال هذا الفضل العظيم، تدبر قوله تعالى في الحديث: “ما أراد هؤلاء؟”، وفي الحديث الآخر “أتوني” فالله عز وجل مقصدهم وغايتهم، وطاعته هدفهم ومبتغاهم.

ولعلك تلحظ أيضاً ما في لفظ شعثا (الشعث: تلبد الشعر لعدم تمشيطه) غبراً (يعلوهم التراب) من وصف لحال أهل الموقف وبيان لما هم عليه من اشتغال بالعبادة، وتركهم الاعتناء بأنفسهم، لأن إرضاء المحبوب عندهم مقدم على هوى النفس، وفيه تأكيد على ما تقرر في مواضع عدة من أن الأساس في تقييم الناس وتحديد منازلهم عند الله عز وجل وبالتالي عند أوليائه هو مدى قربهم من الله عز وجل وطاعتهم له، وذلك كما في قوله تعالى “إن أكرمكم عند الله اتقاكم” (الحجرات 13) وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: “ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”.

إن عداوة الشيطان للإنسانية قديمة، قال الله تعالى: “وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين” (الأعراف 22)، وقد أقسم على أن يقوم باضلال بني آدم، قال الله تعالى فيما يذكره عنه “فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين” (ص 82 83)، لذلك فإن الشيطان يكون في يوم عرفة ذليلاً حقيراً لما يرى من الخير والبركة التي تحل بأهل الإيمان الذين لا تفتر ألسنتهم عن ذكر الله عز وجل ولما يرى من فضل الله الذي يختص به عباده، روى مالك عن طلحة بن عبيد الله بن كريز رحمه الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال “مارئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر، ولا أدحر ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة”.

عالمية الإسلام


ويوم عرفة دليل عملي على عالمية الدعوة الإسلامية، فأكثر السور تلاوة عند المسلم تبدأ بقوله تعالى “الحمد لله رب العالمين” فالله عز وجل رب جميع الخلق، ورسوله صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الناس كافة من غير استثناء قال الله تعالى: “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون” (سبأ 28)، وها هم الحجيج على اختلاف أجناسهم، وفئاتهم، ولغاتهم يأتون من شتى بقاع الدنيا، ليقفوا على صعيد واحد يلبون بنداء واحد، يتوجهون إلى الههم الواحد في وقت واحد، ففي يوم التاسع من ذي الحجة يتجمع العالم كله في عرفات، من خلال وفود الحجيج الوافدة من أرجائه، وإذا ما تساءلت: كيف تجمعوا على هذا النحو وبهذا التلاحم؟ فإنك لن تجد إجابة شافية إلا في قوله تعالى: “وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم” (الأنفال 63).

في يوم عرفة مظهر عجيب من مظاهر الترابط، والتآخي، والمحبة بين المسلمين، إنه يوم تذوب فيه الفوارق، وتتلاشى الخلافات، وتلتقي القلوب، وتتوحد المشاعر، ولا يبقى عند المسلمين إلا غاية واحدة، هي إرضاء الله عز وجل. إنه مؤتمر عالمي لو أحسن المسلمون الاستفادة منه لصلحت أحوالهم، الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم الذي لا يصح الحج إلا به، ويبدأ الوقوف بعرفة من بعد الزوال ويمتد إلى ما قبل فجر يوم النحر، ويجب على من وقف في النهار ألا ينصرف قبل الغروب، وينبغي على الحاج أن يشتغل بالذكر والدعاء فإنها لحظات عظيمة التفريط فيها خسارة كبيرة وبإتمام الوقوف بعرفات يبدأ المسلم في نسك جديد وهكذا هو دائماً لا ينتهي من عبادة إلا ليبدأ في أخرى وذلك لأنه ما خلق إلا لعبادة الله تعالى “ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين” (البقرة 198).


نقلا من جريدة الخليج..




من مواضيعي :
الرد باقتباس