عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 25/09/2007, 01:14 PM
الفارس الاخير
مُخلــص
 
خايف قراءة الشعر بين المثال والصورة

قراءة الشعر بين المثال والصورة
12/09/2007
باقر جاسم محمد


لا شك بأن النقد الأدبي، في صيغته التطبيقية، يرسم خارطة عقلية ونفسية، في آن واحد، لتوتر يحدث نتيجة لوجود فرق بين المثال الشعري كما لا بد أن يكون عند الناقد والصورة كما حققها الشاعر في النص الشعري. فإذا كان الشعر مما يدرك ولا يعرف، فإن الناقد، عند القراءة، يجهد في سعيه للتعرف ولإدراك وجوه تحقق المثال الشعري في النص. ونقصد بالمثال الشعري هنا المفهوم العام للشعر أو نظريته من حيث أنه جنس أدبي يوصف عادة بأن له مزاياه الفنية واللغوية من جهة كونه يستثمر بكثافة مخصوصة المجاز والاستعارة والكناية وشتى ضروب البلاغة, كما أنه قد يستعمل اللغة على سبيل الحقيقة مستثمرا ً وسائل إضافية مثل السرد.
كل ذلك من أجل أسلبة نصه الشعري التي تتمظهر من خلال متواليات أسلوبية يستطيع الناقد أن يصفها ويصنفها ويحصيها ويقرأ وجوه ارتباطاتها وما تولده من دلالات. كما أن للشعر وظائفه أيضا ً، إذ يرتبط الشعر بالتجربة الوجودية في جوانبها الميتافيزيقية والاجتماعية والنفسية وفي شتى تجلياتها. وسنفترض بأن الشعر إنما يعبر عما لا يمكن التعبير عنه، وبالطاقة الدلالية والجمالية نفسها، بوساطة الأجناس الأدبية الأخرى. ولعل هذه الوظيفة تمثل حدا ً يؤسس لمشروعية اختيار الشعر دون سواه من أنماط التعبير الأدبي. أما الصورة المنجزة فهي النص الشعري بوصفه معطى ً أدبيا ً محددا ً يعبر عن فضاء لغوي مجازي وخيالي متفرد.
وفي قراءته للنص الشعري، يستثمر الناقد ضروبا ً مختلفة من الوسائل والمنهجيات الأساسية تشتمل على وصف الوقائع النصية وتصنيفها وتحليلها ثم تفسيرها وصولا ً إلى ربطها بالعملية الجمالية والنفسية المحققة فعليا ً لدى الناقد بوصفه كيانا ً ثقافيا ً ومعرفيا ً ذا تجربة في تلقي الشعر. ولكن كيف ستكون مهمة الناقد وهو إزاء ثلاثة شعراء بتجارب ورؤى وتجليات شعرية مختلفة؟ لا شك أنها ستكون مهمة عسيرة. إذ فضلا ً عما ذكرناه سابقا ً، ستكون هنالك ضرورة للتكيف في التلقي بين نص شعري وآخر للشاعر نفسه، ونص شعري وآخر لشاعر مختلف. كما قد تنشأ حاجة لشيء من المقارنة بين النصوص الشعرية المختلفة. وكل ذلك ينبئ عن جسامة مهمة الناقد.
1. " هذيانات عاقلة "
للشاعر عباس مزهر السلامي
في " هذيانات عاقلة" يقدم عباس السلامي ثلاثة وثلاثين نصا ً شعريا ً قصيرا ً. وكل نص له عنوانه الخاص به. ويمكن تقسيم هذه العنوانات إلى نوعين: الأول ويشمل 29 نصا ً كان فيه العنوان كلمة نكرة واحدة فقط. والثاني يشمل ثلاثة نصوص شعرية. كان عنوان أولها علامة تعجب وعنوان ثانيها علامتا استفهام. وعنوان ثالثها نقاط بين قوسين. ولنا ملاحظة على العنوان الرئيسي. فهو يتألف من كلمة (هذيانات) التي هي جمع للمصدر هذيان. ومن المعلوم أن المصادر لا تجمع سوى ما كان له جمع مسموع. ثم وصف هذه الهذيانات بأنها عاقلة فأحدث نوعا ً من المفارقة بين كونها هذيانات ووصفها بالعاقلة وجعلنا نتوقع أن تتسيد النص الشعري كتابة موغلة في الانزياح وحرية في عمل المخيلة. فهل حصل ذلك؟
يمثل حضور الذات الباثة للرسالة الشعرية بوصفها فاعلا ً في النص الشعري علامة أساسية في تفسيره. واستنادا ً إلى هذا، فسنقوم بتصنيف نصوص " هذيانات عاقلة" على النحو الآتي:
1- هناك 8 نصوص تحتجب فيها الذات الباثة للرسالة الشعرية خلف فاعل نصي هو شخص ثالث غائب لغويا ً عن النص ويشار إليه بضمير مستتر. ويشمل ذلك النصوص: -!- وكفن، ومنفى، وهامش، وعزم، وعزلة، وعتمة، وتفاصيل. وسنسميها نصوص المجموعة الأولى.
2- هناك 3 نصوص تحتجب فيها الذات الباثة للرسالة الشعرية خلف فاعل نصي هو حيوان. ويشمل ذلك النصوص: احتراف وأبجدية، ونشاز. وسنسميها نصوص المجموعة الثانية.
3- تصرح بقية النصوص، وعددها 22 نصا ً، عن الذات الباثة للرسالة الشعرية بوصفها أنا متكلمة وحاضرة وفاعلة في النص الشعري. وسنسميها نصوص المجموعة الثالثة.
وهكذا نرى بأن الأنا النصية تحتل2/3 من النصوص، بينما تشغل شخصية الفاعل النصي الذي هو شخص ثالث غائب لغويا ً عن النص نسبة 8/33، وتشغل شخصية الفاعل النصي المرموز له بالحيوان ما نسبته 1/11 من النصوص.
من نصوص المجموعة الأولى، اخترنا النص الأول (-!-)، حيث نقرأ:
أمسى بدون وطن
أغمض ذاكرته
وألقى برأسه
على الخارطة
نلاحظ هنا بأن المجاز اللغوي في قوله (أغمض ذاكرته) هو العنصر الأساسي الأهم في قيامة هذا النص الشعري. أما بقية العناصر فهي محض إخبار. ومعلوم أن المجاز اللغوي لا يرقى إلى مستوى الصورة مهما كان نوعها لأنه لا يرتبط بإحدى الحواس. ولذلك فهو نوع من المجاز الذهني أو conceitالذي قد يؤول إلى مفارقة. وهذا كله لا يؤسس بنية شعرية تزعم الانتساب إلى الهذيان. أما إذا نظرنا إلى هذا النص بوصفه وحدة مترابطة الأجزاء تخبرنا عن معاناة إنسان يعاني تمزقا ً داخليا ً نتيجة فقده وطنه، فإن ذلك سيؤول إلى صورة سردية قصيرة تفتقر إلى توهج الشعر وقدرته على إثارة الدهشة.
في نصوص المجموعة الثانية، وعددها ثلاثة، تهيمن بنية الخبر أيضا ً. ففي نص " احتراف"، نقرأ:
الخفاش لا يحتاج إلى نظارات
لا لكونه بلا عينين
بل لانه
يحترف الظلام.
مرة أخرى نحن إزاء نص خبري يقوم على مفارقة هي حاجة الخفاش إلى نظارات، ومجاز لغوي يتجسد في قوله (يحترف الظلام). وقد يمثل هذا النص طرفة، ولكنه لا يتجاوز ذلك خصوصا ً وأن بقية النص تنزع إلى أن تكون تفسيرا ً للجملة الأولى. وقل مثل هذا حول النص الثالث، وعنوانه (نشاز) إذ نقرأ:
الحمار
لا يحتاج إلى مكبر للصوت
هو واثق من
أن صوته سيصل
وقد يذكرنا هذا النص بالمأثور القرآني: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. ثم لا شيء أبعد من ذلك. أما النص الثاني (أبجدية) فهو وإن شابه النصين الآخرين جزئيا ً من حيث كونه ينطوي على بنية الخبر، إلا أنه يختلف عنهما جذريا ً لما ينطوي عليه من إحالات فكرية وميثولوجية مهمة، إذ نقرأ:
الغراب الذي اهال التراب
هل خط لنا بمنقاره
ابجدية التصفية
هنا يستثمر النص القصص الديني حول قابيل الذي قتل أخاه هابيل ثم وقع في الحيرة إزاء جثمان أخيه القتيل حتى شاهد غرابا َ يقوم بدفن غراب ميت آخر، فتعلم منه كيف يدفن الموتى. لكن المدهش حقا ً هو أن الشاعر يسوق رؤياه على شكل سؤال، والسؤال، كما نعلم، يمثل قسيما ً للخبر لأنه إنشاء. فهل خط الغراب لنا أبجدية التصفية؟ وهذا الاستفهام يحرف درس الغراب عن المغزى الديني ليضمنه معنى جديدا ً يتصل بالواقع الراهن، ويتجاوز ذلك إلى مجمل التجربة البشرية التي كانت الحروب والقتل والمقابر الجماعية سمة أساسية لها على مستوى العالم. وتكشف المقارنة أهمية هذا النص واختلافه عن النصين السابقين من حيث كونه يمثل تأملا ً في عمق التجربة البشرية بينما كان الظرف والطرافة هما السائدين في النصين الأول والثالث.
وتنفتح نصوص المجموعة الثالثة على التجربة الوجودية في بعديها الميتافيزيقي والاجتماعي وإن لم تخل من نصوص أقل اهتماما ً بالقضايا الكبرى وتعتمد الظرف والطرافة كما هو الحال في نص (نسب) إذ نقرأ:
حين شاركت
القطة مائدتها
ابتسمت
و طبطبت على مسامعي
بموائها
ولن يختلف قولنا كثيرا ً في هذا النص عن النصين الأول والثالث من نصوص المجموعة الثانية.
2. " حتى تستريح الأسئلة"
للشاعر حمزة فيصل المردان
يقدم حمزة فيصل المردان ثلاثة عشر نصا ً تحمل عنوانا ً رئيسيا ً هو (حتى تستريح الأسئلة). وتألفت عنواناتها الثانوية من مدخل واثني عشر سؤالا ً. وحين نقرأ هذه الأسئلة لن نعثر على سؤال أبدا ً. وتتراوح هذه الأسئلة بين سؤال طويل نسبيا ً مثل السؤال الثالث الذي تشكل من 71 كلمة و24 سطرا ً ، والسؤال الثالث الذي تشكل من 6 كلمات وسطرين. ولعل إصرار الشاعر على تسمية المقاطع بالأسئلة يعني أنه يفترض أن أسئلة حقيقية أو مجازية ستنبثق من فعل القراءة. وهذا يعني بأن دور المتلقي سيكون إكمال ما تركه النص من تدوين كتابي للأسئلة.
في المدخل، نقرأ:
الببغاء .....
يفقد آلية التكرار
فتستيقظ الأسئلة
تفك قيودها
أمام حشد من الدببة
وتغادر دائرة العناء
ها هنا نمط من الصوغ الشعري يعتمد كثافة الصور الذهنية والمجازات وعلى التوسع في حركة المخيلة دون أن يهتم كثيرا ً بالتفسير أو التوضيح. لذلك فإن المعنى يظل في منطقة التخمين مفسحا ً المجال للتأثير الفكري والبصري في تهيئة مخيلة القارئ حتى تسهم في تخليق التجربة الجمالية وفي تصور المعنى في غموضه الخصب. ويرتبط المدخل ويوطئ للاحق من تجليات النص حين تستيقظ الأسئلة وتفك قيودها أمام حشد من الدببة وتغادر دائرة العناء.
ولأن النصوص غير مشكلة، ولنتذكر بأن التشكيل جزء من نظام الكتابة، فإننا نقرأ في (س/9)الآتي:
يعمل في صمتٍ
المخالبُ ليلٌ سقيمٌ
ويبدو أن الشاعر، على وفق التشكيل الذي أضفناه، يعمد هنا إلى الوضوح واستثمار المجاز اللغوي والمفارقة حين يسند الليل السقيم إلى المخالب. لكن الحقيقة هي أن هذا النص بعيد عن البوح قريب من الإيماء. فما هي العلاقة بين كونه يعمل في صمت وكون المخالب ليل سقيم؟ كما أنه يمكن أن يقرأ قراءة أخرى بافتراض وجود إسناد إضافة بين كلمة صمت وكلمة مخالب فيكون النص كالآتي:
يعملُ في صمت ِ
المخالب ٍ ليلٌ سقيمٌ
وهنا أيضا ً ليس ثمة وضوح. فكيف يعمل الليل السقيم في صمت المخالب؟ وهذا النمط من الشعر غير قابل للشرح لأنه يكتفي بالإيماء.
وفي نص (س/11) يخرق الشاعر ما أسسه من منهج حين يقدم للنص بين قوسين مضاعفين بعبارة ((وجهك ضوه الكمره ... يعلو صوت قحطان....)) ثم نقرأ:
كيف تجلس
لاحتساء الشاي
وأنت في لحدك
تحولت إلى ريح ٍ باردة ٍ
غطـّت ْ وجهي بدموع شحيحه
صوتك يقل مضجعي
لكنه يمنحني الأمل
بين فراديس لامعه
كأسنان القدر
تقطر منها أنفاسك العجلى
وهذا النص، إذ يلامس منطقة الوضوح دون أن يلج فيها تماما ً، لا يقدم رثاءا ً بالمعنى التقليدي وإنما يعبر عن حزن راسخ في النفس يتصل بتجربة الموت التي تجعل من مفردة من مفردات الحياة اليومية، هي احتساء الشاي، أمرا ً من المحال لأن من نخاطبه قد تحول في لحده إلى ريح باردة. لكن صوت من تخاطبه الذات النصية، حاضر بوصفه ذكرى، لذلك فهو يمنح الأمل. وتعمل المفارقة التي يعبر عنها تشبيه الفاراديس اللامعة بأسنان القدر على التسوية بين الفردوس وعدا ً وأسنان القدر التي تلوكنا وتطحننا كل حين. ومع ذلك فثمة أمل لأن أنفاسك المتلاحقة تقطر من تلك الفراديس كما يومئ النص.
3. " السقطة "
للشاعر مالك الملسماوي
في قصيدة " السقطة" هنالك تقشف ملموس في الانزياحات اللغوية لأن الشاعر يعتمد شيئا ً مما يعرف بالحكاية الشعرية. وهي هنا تنطوي على عنصر غرائبي مستمد من أسطورة الصعود التموزية، وعلى عناصر مستمدة من النص الديني أيضا ً. وهي جميعا ً قد انصهرت في مركب قد لا تكون علاقة مكوناته الأسطورية والدينية بالأصول التي أخذت منها واضحة. فالنص يروي حكاية الصعود من العالم السفلي إلى الأرض ثم العروج إلى العالم العلوي. وهنا لا تحضر كل عناصر الأسطورة أو الرؤيا الدينية وإنما يرمز لها بأحد مكوناتها أو أحداثها. ففي المقطع الأول نقرأ:
لم تصدقْ
بأني عائد من اللحد
توّا ًَ،
حتى رأت التراب
عالقا ً بأهدابي!
فهنا نواجه حدثا ً نفسيا ً هو عدم التصديق لحدث العودة من اللحد، ثم يحدث التصديق حين تبصر التراب عالقا ً بأهداب الذات النصية. ونتذكر هنا حكاية صعود تموز من العالم السفلي لكن دون تفاصيلها. وفي المقطع الثاني نعرف أن هذه الذات النصية نفسها لم تعرف كيفية ما حدث ومتى حدث. وحتى الآن ليس ثمة أية مجازات أو استعارات.
والصعود أو العروج نفسه فيكون في المقطع الرابع:
بإرادتي الطيبة
صعدت إلى العالم
العلوي
.... الأريكة
ثم ......
ها أنا ذا...
أستيقظ من... نومي
العميق...
كم مرَّ من الوقت؟
المسافة قصيرة ومبتذلة
بين عالمين
.... متناقضين!
الأريكة...
والأرض التي
تقترح النهاية
.... بصمت
إذن فإن الأريكة، وهي مما يتكئ عليه الموعودون بالجنة، قد صارت مكانا ً تعرج إليه الذات لكونها تمثل قسيما ً نقيضا ً للأرض. الأرض التي تقترح النهاية بصمت لكونها المثوى الأخير. وفي المقطع الرابع ستكون الأريكة موئلا ً للاسترخاء والصخب والأحلام وقضايا لا حصر لها بينما يكون السقوط من العالم العلوي إيذانا ً بالعدم حين لا يحص شيء قط.
وفي المقطعين الخامس والسادس، ينعطف النص نحو تلك التي ما صدقت أنه عائد من . فنقرأ:
أما زلت خائفة ً
ومرتبكة ...؟!
الأولى، أن يحدث ذلك لي...
لمن يسقطون...
لمن يذوقون
طعم العدم...
مرة بعد أخرى
حتى بدا
أليفا ًُ
...... وناعما ً
إذن، بما أن هذه القصيدة تؤول إلى كناية كبرى، يمكن القول بأن المخاطبة في النص هي شبيهة عشتار في الأسطورة. وهي موجودة بوصفها كائنا ً بشريا ً على الأرض، لذلك فإن ما هو أرضي، أو المرأة، هي ما يمثل الحافز العميق لإنشاء النص. وهنا توضع رؤيا الموت إزاء ما تضج به الحياة ممثلة بالأنثى التي سيكون لضحكتها أثر السحر في أن تنفض الذات النصية عن نفسها غبار الغياب. لكن هذه التجربة ستؤول إلى جحيم جديد لأن الضياع سيكتمل بالسقطة فينطفئ الزمن دونما خوف أو ألم أو إثارة! أي أن الموت سيكون هو النتيجة النهائية




من مواضيعي :
الرد باقتباس