عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 09/09/2007, 07:48 PM
صورة لـ الامبرطور العماني
الامبرطور العماني
مُشــارك
 
ملامح الشعر العماني قبل النهضة

ملامح الشعر العماني قبل النهضة



تتشكل ملامح الشعر العماني قبل النهضة من الموضوعات التقليدية نحو شعر الأخوانيات والغزل والرثاء والمدح والوصف ومن الموضوعات المجددة التي تتناول القضايا الوطنية والتفاعل مع القضايا القومية والتوجه نحو الشعر الذاتي والوجداني . وفي هذا البحث سوف نعرض لهذه الموضوعات والأغراض الشعرية ، محاولين الكشف عن ملامح الشعر العماني في تلك الفترة ورؤية الشاعر العماني لهذه الموضوعات وعمق تناوله لها وتفاعله مع محيطه العربي في الموضوعات المشتركة .

************

أولا الموضوعات التقليدية

1- شعر الاخوانيات :

من الموضوعات الشعرية التي اهتم بها الشعراء العمانيون في هذه الفترة والتي غلبت على جانب كبير من دواوينهم هو الإخوانيات ، وهو موضوع شعري قديم عبر عنه الشعراء العرب والعمانيون القدماء ، واستمر وجوده في شعر هذه الفترة كتقليد أدبي أتبعه شعراء هذه الفترة للتعبير عن مشاعرهم اتجاه أصدقائهم وأحبتهم . ويضم قصائد العتاب بين الشعراء والردود على رسائل الأصدقاء الشعرية وإظهار الود والاحتفاء بالشاعر الآخر أو تهنئة صديق عزيز بعيد عن الشاعر أو قريب منه بمناسبة مهمة ، وتسجيل الذكريات والطرائف التي تحدث بين الشعراء وأصدقائهم شعرا ، وقد يبدأ الشاعر قصيدته الإخوانية بشعر الغزل وأحيانا يدخل في الموضوع مباشرة ، وفي حالة الرد على شاعر أخر فانه يلتزم بنفس الوزن و القافية

وفي شعر الإخوانيات عندهم ما في الاخوانيات عادة من محاولة التبسط والتفكه والتحلل من رصانة العبارة والاقتراب من لغة الحديث .

ومن قصائد الإخوانيات قصيدة للشاعر خالد بن هلال الرحبي[1] أرسلها إلى صديق له بعد أن أهداه صديقه هذا ديواناً لعنترة ، فيقول :

دعني أؤم محمدا بثنائي لم لا وقد ملكت يداه ولائي

يا أيها العلمُ الذي بخصاله نار الفخار وكفه البيضاء

يا من يرى فعل السماحة والندى طبا ومسك المال مثل الداء

يا خير خل من سلالة سالم يا نجل عبس زبدة الأحياء

طوقتني بنداك طوقا حاليا أبلى ولا يغشاه نوع بلاء

أهديتني سفرا يصور لي سطا آبائك العظماء في الأعداء

أهديتني ديوان عنترة الذي ذلت لسطوته بنو حواء[2]

ومن مطارحات الشاعر أحمد بن حمدون الحارثي[3] مع أحد أصدقائه هذه الأبيات التي كانت رداً على قصيدة سابقة لذلك الصديق :

بلبل الأيك ترنم طربا أنعش الروح وحي الأدبا

وانشدن نظما بهيا رائقا جاء يقضي للإخا ما وجبا

جاء يهدي من صفي مخلص من فتى عيس سمى المجتبا

يا أخا الفطنة ما نظم أتى لفظه الدر مصوغ ذهبا

ذكرتنا بعهود سلفت كان فيها الشعر يسمو منصبا

أعلمتنا كيف يرقى كاتب من بني العصر ويحيي الأدبا[4]

وتحمل القصيدة في معانيها وألفاظها ما يشير إلى عمق العلاقة بين الشاعر صديقه المحتفى به ولهذا فهو يصف صديقه بمجموعة من الصفات التي تدل على تعلقه واعتزازه واحتفاؤه به وهي كالتالي صفي ، مخلص ، سمي المجتبى ، أخا الفطنة. كما نلاحظ انطلاق الشاعر في التعبير عن مشاعره النفسية اتجاه صديقه وذلك عبر ذكره مجموعة من الألفاظ المعبرة عن هذه المشاعر وهي البلبل ، الترنم ، الطرب، النظم الرائق .

للشاعر هلال بن بدر البوسعيدي[5] قصيدة يجيب بها على قصيدة بعث بها إليه الأديب عبد الله الطائي[6] الذي كان من تلامذة الشاعر ومعاصريه يقول فيها :

لك يا صفوة الشباب الراقي محض ود مـدى حياتي باقي

لك مني صفو الوداد مع الد هر وحب مـؤكد الميثاق

أنت لي أول الشباب مناد بقريض أحلى من الأغتباق

يملأ العقل نشوة وانتعاشا فأنا المحتسي وأنت الساقي

فأدر لفظك الأنيق ورجع نغمة الحب في المعاني الرقاق[7]

وقد حاول الشاعر أن يخرج في هذه الأبيات من نطاق الإخوانيات إلى الحديث عن مشاعره الخاصة ، فأبتعد نسبيا عن النظم وعن شعر المناسبات الخاصة.

ويدير الشاعر بدر بن هلال ندوة شعرية مع الشيخ القاضي سالم بن حمود السيابي [8]حيث يبدأ الشيخ السيابي بإرسال قصيدة يمدح فيها الشاعر هلال بن بدر يقول فيها :-

سلام مثل منتظم الـلآلي وشكر لم يزل فوق الكمال

لذي الأدب البديع وذي الأيادي وحيد الشأن محمود الخصال

خلاصة مجمع الآداب طرا فريد الذوق شاعرنا هلال

حليف الفضل صافي الود طبعا تراه آخذا بيد المعالي

أديب في معانيه أريب حسيب في مراقيه العوالي[9]

وفي هذه الأبيات تبدو سمات الاخوانيات في أوضح صورها في تلك الخلال المنظومة على غرار أسلوبي واحد ، وفي هبوط التعبير الشعري في بعض الأشطار .

ويرد عليه الشاعر هلال بن بدر بقصيدة في مستواها يذكر فيها فضائل الشيخ السيابي ، ويحافظ على نفس الوزن والقافية في القصيدة الأولى ، فيقول :

إلى علم المعارف والكمال إلى من حاز تقدير الرجال

إلى العلامة الحبر المرجى لحل المعضلات لدى السؤال

إلى رب القريض إذا تسامى رجال الشعر في نسج الخيال

إلى المفتي الذي ان قال قولا أقر له الفحول على التوالي

زففت لي القريض بفيض ود إلا أن القلوب على اتصال[10]

ولا تخرج القصيدة السابقة عن كونها خطابا كتب في صورة شعر ، وهو نوع من المدح المتبادل بين وزير في الدولة وقاضي من قضاة الدولة أيضا ، فالرجلان يشغلان منصبان مهمان في الدولة ، ويذكرنا هذا الشعر عامة بشعر الإخوانيات الذي انتشر في العصر العباسي الثالث عندما أصبح الشعراء وزراء وأصبحوا يتراسلون بالشعر كما يتراسلون بالنثر ، فاستعملوه في التهنئة والتعزية والشكر والعتاب والاستعطاف وغير ذلك مما يدور بين الأصحاب من مراسلات ، ولسنا في حاجة إلى تأكيد ما في بعض الأبيات من نظم رديء في مطلع الأبيات كقوله : " لحل المعضلات ، لدى السؤال ، أقر له على التوالي".

************

2- شعر الغزل :

ويشكل موضوع الغزل أحد الموضوعات الهامة في شعر هذه الفترة ، وشعر الغزل من الموضوعات الذاتية وهو على خلاف المديح الذي يعبر فيه الشاعر عن غيره وربما تكون فيه عواطفه ومشاعره زائفة وبالتالي تكون تعابيره تقليدية ، وعلى هذا فان شعر الغزل من المفترض أن يعبر فيه الشاعر عن مشاعره الخاصة .

وفي شعر الغزل لهذه الفترة ينقسم إلى مستويين، غزل تقليدي ينقل صورة المرأة القديمة ويتحدث عن جسد المرأة والتشبيب بمحبوبة الشاعر ، وغزل يتخلص من المعاني التقليدية والعبارات ويقترب فيه الشعر من ذاتية الشاعر وعواطفه الداخلية .

ومن شعر المستوى الأول في الغزل التقليدي قول الشاعر أحمد بن حمدون:

أذي الشمس قد لاحت وأشرق نورها أم البدر جلى ضوءه كل دامس

وذا بلبل يشدو بالحان مطرب يرددها فوق الغصون الموائس

أم الخرد البيض الكواعب أقبلت تهادى نشاوى بالعيون النواعس

أأم غادة ميلاء منت بزورة على غير وعد في الحلى والطنافس

تبدى محياها كصبح سناؤه وولى الدجى من حينه وجه عابس

وهذا عبيق المسك ضوع طيبه فأحيا رمميات العقول الدوارس [11]

ونلاحظ تكرار صورة المرأة القديمة في هذه الأبيات في تلك التشبيهات التقليدية اليسيرة غير المركبة أو الجديدة ، نحو تشبيه المحبوبة بالشمس والبدر والغصون والصبح والمسك .

ويقول في قصيدة أخرى متبعا الأسلوب التقليدي نفسه والتشبيهات اليسيرة المألوفة :

تألق برق في ليال بهيمة وثغر حبيب باسم بالمسرة

وبدر تمام أم عقود زبرجد بها غادة حسنا شموع تحلت

وورق الضحى يشدو على غصن بأنة يردد بالألحان في سفح بركة

ونسمة روض بالبشارة قد أتت تهني بوصل من حبيب وزورة[12]

وتأتي أكثر هذه الغزليات كمطالع لقصائد المدح ولذلك لا نكاد نجد فيها شيئاً من صدق المشاعر. وأغلب الغزل يأتي على هذا النحو الذي يشبهون فيه المرأة بالبدر والغزال وبالشمس وشعرها بالليل وقوامها بغصن البان وعيونها بعيون البقر الوحشي وهي صفات وردت كثيرا في الشعر العربي القديم .

ويقول الشاعر سعيد بن مسلم المجيزي[13] مكررا نفس المعاني القديمة :

لذكر ليالي الوصل يستعذب الذكر ويحلو وإن طال التباعد والهجر

فيا ذكر ليلى شنف السمع موقرا أحاديث من ليلى يذوب لها الصخر

ويا سعد عللني بذكر أحبتي فعندك يا سعد الأحاديث والذكر

ومن لي بأن ألقي جبينا إذا بدا لطلعته تخبو الكواكب والبدر

تسلط في قلبي بسلطان حبه فبحت بما تخفي الجوانح والصدر

كذلك سلطان الغرام وحكمه برغم جنود العشق يقضى له الأمر[14]

والأبيات نظم تختلط فيها العبارات النثرية بالاقتباس من مفردات الشعر العربي القديم دون أن يكون بينها شيء من الترابط ، وقد وردت هذه الأبيات مطلع لقصيدة يمدح فيها أحد سلاطين عمان ، ونلاحظ أن الشاعر يلجأ إلى ذكر أسماء ليلي وسعد وهي أسماء وردت كثيرا في شعر الغزل القديم وقد استخدمها الشعراء لما فيها من وزن موسيقي ، فهي أسماء لم يكن لها وجود حقيقي في حياة الشاعر ، وربما تكون استخدمت كأسماء رمزية ترمز لمحبوبات الشاعر .

ومن شعر الغزل التقليدي والوقوف عند أماكن الذكريات القديمة وتذكر الأحبة قول الشاعر صالح بن عيس الحارثي [15] :

دعاني الهوى والشوق نحو الأحبة وزادني التذكار مخفي علتي

وذكرني عهد الوصال الذي مضى فهيج ما بي من غرام ولوعة

وفي طي أحشائي لظى الهجر أضرمت فلا تنطفي إلا بوصل الأحبة

أبيت ونار الشوق بين جوانحي لها زفرات بين قلبي ومهجتي

لقد ذبت من هجر الحبيب وصده وإعراضه عني على غير زلة

ويقول عن لقاءه بمحبوبته :

بروحي من قد زارني بعد بعده بليل حذارا من رقيب فممقت

فوسدته زندي وبات مضاجعي إلى أن جلا نور الضيا كل ظلمة

فبتنا وكأس الأنس قد دار بيننا ونحن نشاوي بين ضم وقبلة

لهوت به والليل مرخ سدوله علينا بأنواع الهنا والمسرة [16]

ومن المستوى الثاني في شعر الغزل تأتي قصائد كل من الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي وعبد الله الطائي اللذان توافرت لهما أسباب الحياة العصرية والإطلاع على مصادر الثقافة العربية المعاصرة ربما أكثر من الشعراء الذين ذكرناهم سابقا ، لذلك جاءت قصائدهما الغزلية أفضل من القصائد السابقة حيث تخلصت من المعاني القديمة لشعر الغزل وعباراته التقليدية.

ونلاحظ ملامح الاختلاف هذه في بعض قصائد هلال بن بدر البوسعيدي ففي قصيدة ثمرة الأشواق، نلاحظ سيطرة النبرة الذاتية على هذه القصيدة وغناء الشاعر الحزين واقتراب ألفاظها من ألفاظ الرومانسيين ، فيقول :

أغني ولكن الغناء أنين وأحدو ولكن الحداء حنين

وإن قلت شعرا فهو جمر صبابتي على أنه وسط الضلوع دفين

فمن لفؤاد وهو ولهان خافق ومن لجفون دمعهن هتون

لواعج أحزان وآلام فرقة قد أعتورا قلبي فكيف يكون

أخلاي قد ذقت الأمريّن بعدكم وكل شجا غير الفراق يهون

كتمت هواكم برهة جهد طاقتي وإني به حتى الممات ضنين

فلا عتب إن باحت دموعي بسره وإني لأسرار الحبيب مصون [17]

وعلى الرغم من وجود بعض الصيغ التقليدية إلا أن عبارات الشاعر الشعرية تتسم بيسر العبارة وسلاسة البناء، وخفوت الإيقاع ، لكنه مع ذلك يدور في فلك تلك الفترة التي كانت تقع في برزخ بين الكلاسيكية المطلقة وبدايات التجديد ، والشاعر في هذه القصيدة يمزج بين التجربة العاطفية وتجربة الاغتراب الداخلي وتبدو في القصيدة روح الشكوى التي سماها الدكتور نزار العاني " السمة التوجعية" وتسأل عن مصدرها في حياة الشاعر ، " من أين تجيء هذه المشاعر والأحاسيس المغلفة تماما بسمة توجعية واضحة عند رجل عهدناه معتدا بفكره متعاليا على ما هو مدفون وسط الضلوع ، جـوّابـاً في ميادين الحياة الشاسعة ؟ " .

ويجيب قائلا " إن البوسعيدي في لحظة مراجعة صوفية مع الذات ، يقرأ بعض علامات القهر الدفين داخل تضاريس روحه الشاعرة والتي تبدو غالبا متعافية وغير مأزومة ، هناك لا شك في ثنايـا شعره وتلافيف قصائده سمة توجعية مستترة ، وهناك سوداوية خفية تشكل منطلقا لنداء القصيدة الجمالي والفني والمعنوي"[18].

وللدكتور العاني الحق في هذا التساؤل لان الشاعر كان يعيش في وسط أجواء السلطة والترف ، وتسرب هذه الروح الحزينة وسمات التوجع إلى عالمه وشعره مدعاة للتساؤل ، وربما تعكس هذه السمة التوجعية رومانسية البوسعيدي ،كما يمكن أن تكون صدى لحالة من حالات التمرد على الواقع الذي يعيشه ويحاول تغييره .

وللشاعر عبد الله الطائي قصائد ذات توجه عاطفي ، ولكنها تجيء في مقطوعات صغيرة مرتبطة بموضوع الحنين والتذكر لزوجته ولعمان ولأهله في عمان، وربما يرجع ذلك إلى انشغال الشاعر بهموم وطنه أكثر من انشغاله بمشاعره وعواطفه القلبية ، وحتى قصائد الحنين والتذكر فإنه يوظفها للحديث عن وطنه ومـا أصابه من تخلف وتأخر ، وربما نجد في قصيدة أو قصيدتين هذا التوجه العاطفي الواضح فيقول في إحدى قصيدتيه التي يصور فيها حالة انقطاع الحب :

انتهينا لا الهوى يحنو علينا قد مــحوناه كــلانا بـيـديــنا

انتهينا لا لــقــاءٌ ممـكـن يكشف الأعذار عما قد جنينا

يـا لسـر القلب هـل يظهره ليس مثل القلب إشفاقا علينا

إنـه الحــب الذي جمــّـعنا وأرانـا من صفاء الدهــر لـونـا

يا حبيبي انقطاعاً بعد أن أزهـر العمـر غرامـا فازدهينا[19]

وقد يختلط الغزل عند بعض هؤلاء الشعراء بتجارب شخصية كالفقد أو الغربة أو الحنين للوطن ، ولهذا تمتزج تجربة الفقد الرومانسي العام بالفقد العاطفي في بعض مقطوعات عبد الله الطائي الذي يتحدث بضمير يعود إلى بعض المحبين أو كلاهما ولا يتحدث عن نفسه مفردا ولا عن محبوبته وحدها كما في الأبيات الماضية .

و يصور الشاعر في قصيدة أخرى أمسية من أمـاسيه الرومانسية على ضفاف الخليج ، فتبدو في مفرداته وأبنيته الأسلوبية رقة رومانسية غير معهودة عند شعراء هذه المرحلة ويمزج الشاعر فيها بين مشاعره وبعض لحظات الطبيعة ومشاهدها المألوفة في الشعر الرومانسي العربي ، ولعل بعض أبياتها يذكرنا بنظائر لها عند على محمود طه ، والقصيدة بعنوان أمسية على الخليج ( وهي من القصائد التي كتبها في سنوات حياته الأخيرة ) :

سألت هل لك في سهرتنا هذى قصيدة

أنظر الليل وقـد رصع بالأنــجم جيدة

وارمـق الجو وقـد لحـن بالصمت نشيده

أفما حرك في القلب أحاسيس جديدة ؟

قلت والإغراء من حـولي قـد فاق حدوده

صوت حسناء بجنح الليل يستجلي وجوده

وحديث يجبر العازف أن يلقي عـوده

هاهنا تحلو الأمـاسي ويصب الكون جـوده

وضياء البـدر أغناه بألـوانٍ جديده

فبدا الشاطئ روضا نثر الأفق وروده[20]

ويبدو تأثر الشاعر برواد الاتجاه الرومانسي في العالم العربي و بالخصوص علي محمود طه في قصيدته كليوباترا ، ويعبر الشاعر عن عواطفه تعبيرا صريحا . وهو ما ليس مألوفا في شعره الذي انشغل فيه بالتعبير عن همومه الوطنية والإنسانية .

ويبرر الدكتور أحمد درويش هذا التغيير الذي طرأ على مفردات هذه القصيدة وعلى نفسية الشاعر ، بأنه نوع من التعبير عن قرب الانتصار الذي بدأ يلوح في الأفق فيقول " وهو يرى الخليج في هذه القصيدة لا كما كان يراه دائما من خلال قضية الكفاح التي شغلته طويلا بركانا ثـائرا من الأمواج ، وإنما يراه في لحظة الصفو مـوجـا هادئـا وغناءً ووجها حسنا . وهذه واحدة من القصائد القليلة في إنتاج الشاعر التي تلجأ إلى الأوزان المجزوءة القصيرة وإلى الروح المرحة ، وإلى استخدام معجم تتردد فيها كلمات مثل " اللحن ، الإنشاد ، رصع ، السهرة ، النجوى ، السعد " وتتشكل من خلالها صور تحرك في القلب أحـاسيس جديدة على حـد تعبير الشاعـر " [21].

****************

3- شعر الوصف :

ويلتف شعراء هذه الفترة إلى مشاهد الطبيعة ومناظر الحياة في المدينة والريف فيصفون الحدائق والمروج وخيام الصيد والقلاع والحصون التي تشتهر بها عمان .

ويصف الشاعر سعيد المجيزي خيام مضروبة وسط الصحراء فيقول :

خيام ما يطاولها السحاب وشهب في البسيطة أم قباب ؟

وإطناب بأوتاد أنيطت أم الجوزا بأيديها شهاب ؟

وأعمدة تجللها سماء من الياقوت يكسوها ضباب

فتلك مصانع نشئت بأيد أم الأفلاك ليس لها حجاب[22]

وترتكز الأبيات على بنية التقليد ، تنظر إلى تعبيرات معروفة في الشعر العربي القديم ، كالخيام والأطناب والأوتاد والجوزاء.

ويقف الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي أمام هذا حصن جبرين الذي يقع وسط البساتين والنخيل ويتذكر كل تلك الإنجازات الحضارية ويقلب طرفه في دقة هندسة البناء ويستعيد تاريخ بناء هذا الحصن وذكريـاته السعيدة والمحزنة ، فتختلط في نفسه كل هذه المشاعر فتخرج الأبيات ممزوجة بالمشاعر المتباينة ، فيقول:

يـا نسمة من ربى جبرين مسراها أهدت لقلبي ذكرى لست أنساها

وأنعشتني ومـا في القلب من وطر سوى عهود أناجيـها وأرعاهــا

في ظـل قصرك يـا جبرين مـرتعها وتحت دوحتك الشماء مـأواهـا

من لـي بجبرين أو من لي بدوحتها من لـي بساحتها من لـي برباها

يومي بقصرك يـا جبرين قد قصرت ساعـاته ودقيق الـفـن أفناهـا

أقلب الطرف في أشكال هندسة وأستعيد خيالي في ثناياها

يا قصر حدث وفي التاريخ مفخرة فقد خبرتك مزهوا وتياها[23]

ولا تقتصر نظرة هلال بن بدر البوسعيدي التأملية فقط على أمور الحياة ، وإنما يشغله التأمل في التراث التاريخي والحضاري لعمان ، ويقدم صورة تفصيلة لحصن جبرين وموقعه وسط البساتين والأشجار ويعبر عن إعجابه بالفن الهندسي ، كما يجعل الشاعر من القصر شاهدا على أحداث التاريخ العماني.

ومن قصائد الوصف التي قالها الشاعر عبد الله الطائي قصيدة يصف فيها جمال ظفار المنطقة الجنوبية من عمان حيث تكثر الخضرة فيقول

حاك السحاب لها ثوبا تكون من زهر فوشته من أفراح لقياها

فالأرض من بشرها بالخير ناطقة اللفظ خضرتها والزهر مبناها

الخصب في أرضها تبدو خمائله عرائسا يفتن الأبصار مرآها

كأن بابل بالجنات قد هجرت بلادها واستقرت في زواياها

هذا النسيم أتى يشكو صبابته لأنه أعتل لما زار مرعاها

وحمرة الورد جاءته على خجل إذ لاح منظرها يزهو محياها[24]

و لا يخفي ما في المقطوعة – على الرغم من إيقاعها المنساب – من تقليد وبخاصة في البيتين الأخيرين .

*************

3- شعر المدح :

وللمدح نصيب موفور عند هؤلاء الشعراء وأكثره مقصور على السلطان سعيد بن تيمور وبعض حكام الخليج ، وفي هذا المجال قصائد كثيرة تكاد تشمل كل المناسبات العامة والخاصة كالأعياد الدينية والشخصية ، و الانتصارات الحربية التي أحرزتها جيوش السلطان . وقد كرر الشعراء في أكثر هذه القصائد معاني المدح القديمة والتقليدية ، مثل وصف الممدوح بالبحر وتشبيه جوده بالندى ،والدعاء له بالسقيا والنصر ، ويحافظ الشعراء في أغلب هذه القصائد على المطالع التقليدية القديمة فيبدءون بالغزل أو الوقوف على الأطلال .

يقول الشاعر عيسى بن صالح الطائي في مدح السلطان سعيد بن تيمور :

يا أيها الملك المعظم من له تحدى الرواسم يا أبا قابوسا

أنت المملك بالحسام وبالندى وسديد رأي أنت لا بلقيسا

هذا أبو قابوس أسس ملكه بالعدل في هام السما تأسيسا

ما حاتم في الجود أو أوس إذا أنصفت شيء عنده إن قيسا

إن فاه خلت الدر ينثر حوله فكأن في أحشائه القاموسا[25]

ونلاحظ تكرار معاني المدح التقليدية من وصف الممدوح بالكرم والجود كحاتم وسداد الرأي ، وعدد من التشبيهات والمقارنات غير الموفقة نحو تشبيه الممدوح ببلقيس وبقراط وجالينوس والقصيدة تتصف بالركاكة والنثرية الواضحة .

ويقول الشاعر سعيد بن مسلم المجيزي في مناسبة ولادة السلطان قابوس مادحا والده سعيد بن تيمور:

فزت بالفخر يا ظفار متى ما طلع السعد واضمحل النحوس

بوليد به الممالك تزهو وبه العلى سرورا تميس

حضنته قوابل المجد حتى لم يكن في مهاده تدليس

واتت نحوه الخلافة تسعى تلثم الكف خاضعا وتبوس

وبه أسفر الوجود سرورا وبه ذل ذا الزمان الضروس

فأنعم البال يا مليك فهذا سيف نصر وشبلك المأنوس [26]

ونلاحظ تأثر الشاعر بالشعر العربي القديم في قوله أتت نحوه الخلافة تسعى فهو يتمثل قول الشاعر في قوله وهو يمدح " أتته الخلافة منقادة إليه تجرر أذيالها " ، كما أن القصيدة تغلب عليها التراكيب الشعرية القديمة نحو حضنته قوابل المجد ، سيف نصر ، الزمان الضروس ونلاحظ تكلف واضح في مفردات القافية أيضا وتناسقها مع معنى بعض الأبيات .

وفي قصائد الشاعر بدر بن هلال التي مدح بها السلطان ربما نجد بعض التغيير، فالشاعر يدخل في موضوع القصيدة مباشرة دون مقدمات غزلية أو طللية ، فيقول :

إني لا نشد والأيام في عجب والدهر يضحك مسرورا من الطرب

فما لقلب مليكي لا تحركه مدائح صغتها أنقى من الذهب

مني إليك أبا قابوس معذرة فأنت أولى بها يا سيد العرب

تسوس مملكة أعيت مسالكها من كان قبلك من ساداتها النجب

فسر بها يا أبا قابوس منفردا برأيك الفذ في مرقى إلى السحب

واجعل لها بين أقطار العروبة ما يعيد تاريخها في سالف الحقب [27]

وتسيطر على قصيدة المدح السابقة صيغ المدح التقليدية من الرجاء والاعتذار والتعظيم ، ويؤكد الشاعر على أهمية دور عمان ويطالب السلطان سعيد بأن يعيد لها دورها التاريخي والحضاري .

و رغم تبرم الشاعر من الأحوال الداخلية لم يتخل عن مدح السلطان لأنه ولي نعمته ، لكنه مع ذلك كان يرسل الإشارات بين الفنية والأخرى حول مطالب الشعب بالتغيير والعودة إلى مجد عمان القديم ، ولهذا يُضمن الشاعر قصائد المدح التي كان يرسلها للسلطان بعض الإشارات إلى تخلف عمان عن طريق العلم وعن ركب المدنية والتحضر ، فيقول :

فللعروبة حظ أن تكون لها في ظل عرشك آمال وأوطار

كذاك حظ عمان منك في صعد إلى المجرة حيث النجم سيار

فخذ بها يـا أبا قابوس مرتقيا نحو المعالي كما تهوى وتختار

مهد العروبة ماضيها وحاضرها فشيبها وفتـاهــا الــيـوم أحــرار

حسبي عمان ولا أرضى بها بدلا إن غر غيري بنيان و دينار

أنت الرجاء لها أنت المنير لها سبل الرشاد وهل للحق إنكار [28]

وتتشابه مدائح الشعراء في معانيها وغلبة النزعة التقليدية وقد تتفاوت أحيانا في مستواها الفني لكنها في أحسن أحوالها لا تبتعد كثيرا عن تقليد غير موفق لأنماط الشعر العربي القديم في هذا المجال ، سواء في عباراته أو تشبيهاته التقليدية في مجال الشجاعة والنصر وغير ذلك .

وللشاعر عبد الله الطائي قصائد مدح قليلة منها واحدة على الأقل في مدح السلطان سعيد بن تيمور ورغم معارضة الشاعر لسياسيات سعيد من تيمور فإنه ربما كتب هذه القصيدة لكي يدعو السلطان لتغيير هذه السياسات والانفتاح على العالم الخارجي فيقول :

عمان بالعود أدناها وأقصاها رف الهناء بها والسعد وافاها

أ بدت إليك من الترحيب غايته فأكملت همها منه ومسعاها

ملك له النصر معقود إذا اندفعت كتائب النصر تبني صرح مرقاها

زين الفعال له في الفضل مأثرة كالمزن يعمر هذا الكون مأتاها

يبغي الصلاح كأن الخير مشرقه أنى يكون صروح المجد أرساها

إليك مولاي شعري جاء يقدمه من الخواطر أبهاها وأوفاها[29]

ويعلق الباحث محسن الكندي الذي كتب رسالة ماجستير عن عبد الله الطائي على الأبيات الماضية فصفات الممدوح هنا لم تخرج عن نطاقها القديم ( الشجاعة ، سداد الرأي ، زين الفعال ، الكرم ) ، لكن هذه الصفات تمتزج أحيانا مع توجه الشاعر نحو قضيته فيصف الممدوح مثلا بأنه " يبغي الصلاح من أجل المجد في مشرقه أي وطنه . وهذه الصفات كلها تتناسب وتوجهات الطائي الوطنية ، وهو بذلك يختلف عمن سواه من أولئك الذين جاءوا في عصره ، فنالوا حظوة السلاطين وجاههم " [30].

ونجد للشاعر في ديوانيه المنشورين أربع قصائد مـدح ، وقـد خصص واحدة في ديوانه الأول في مدح شيوخ دبي بعنوان وثبة دبي وقصيدة أخرى بعنوان وفد الصداقة يتحدث فيها عن وفد الصداقة الذي بعثته الحكومة العمانية للدول العربية ويمدح فيها السلطان قابوس بعد استلامه الحكم في عمان ، وقصيدتان أخريتان في مدح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم .

وعندمـا نعود إلى القصيدة المذكورة نجد أنه بدأ القصيدة بالإمعان في معاني الغزل لدرجة أن مطلع القصيدة الغزلي قـد تفوق على جانب المدح في القصيدة ، وربما كان الشاعر مدفوعا إلى تقليد القدماء وإثبات جدارته الشعرية في كتابة هذا النوع من الشعر فيقول في تلك القصيدة المعنونة يـا بـارق الشرق :

يـا بـارق الشرق لي في الشرق خـلاّن أطيافهم بسواد العين سكانُ

حَـدث فـديتك عنهم ، إنني كلفٌ لـم يلهني عنهم حسن وإحسانُ

والشقر إن أقبلت تزهو مفاتنها عندي من السمر تذكار وتحنان

وغـادة من حسان الغرب تيمها شعري فأصغت وكـلُّ الجسم آذان

في رفقةُ يعجب الجلاس ذوقُهم بـه من السحر أعباقٌ وأرادن

ثم يصل إلى موضوع المدح فيقول:

والـيـوم زايـدٌ قـاد الـركب متبعاً سَـيرَ الجـدود لـكـي يعـلـو لهـم شـان

بنى فأعلى ، وأبلى صابراً فحمى داراً ، وعـز بـه شعب وبلـدان

قـد أطـلـع الفجـر في بلداننا وبـه تحـدثت صحفٌ واعتـز ركبان

هذى عمان سـلـوهـا عن مـآثره تَـرون شمساً بهـا الأوطـان تـزدان [31]

****************

4- شعر الرثاء :

يعد شعر الرثاء من فنون الشعر المورثة والتقليدية والشاعر يرثي أصحابه ويبكيهم ويصور هول الفجيعة التي ألمت بهم ويتحدث عن صفات المرثي ، وأحيانا يؤبن المتوفى بذكر أفعاله أو بذكر صفاته وحزن الكائنات والليل عليه .

وينقسم شعر الرثاء في هذه الفترة إلى نوعين من الشعر شعر يتوجه بالرثاء إلى الأهل والأحبة والأصدقاء وشعر يتوجه إلى قادة الأمة ورجالها العظام الذين فقدوا في فترة كفاحهم ضد الاستعمار والتخلف .

وخير من يمثل الشعراء العمانيين في مجال الـرثـاء في هذه الفترة الشاعر عبد الله الطائي ، حيث ينقسم شعره في الرثاء إلى قسمين أساسين الأول يختص برثاء أهله وأقربائه ، والثاني يختص برثاء الشخصيات الوطنية العمانية والقومية العربية التي كان تقود النضال من أجل الحرية والتحرر .

ومن قصائد القسم الأول الخاص برثاء الأقرباء ، قصيدة في رثاء أمـه وقد توفيت وهـو في الغربة فأضافت وفاتها جرحا إلى جروحه الكثيرة ، ويصف الشاعر يوم وفاتها بأنه اليوم الذي ضعفت فيه مقاومته إلى حد بعيد ويتمنى إن يسمح له لكي يزور قبرها في مسقط فيقول :

اليوم لانت يا زمان قنـاتـي ولكـم صمدت لأعنف الهـزات

أصبحت أرجو أن أشاهد قـبرها ولـو أنني أرضيت كـل عـداتـي

فأطـوف مسقط لائـذا متحاميـاً الموت يدفعني لمـحو شكـاتي

أُمـي لقـد ملك القضاءُ سهامـه فأتـاك منها قــاتـل النــبلات

لكن مـوتك قـد ألانَ تجلدي وأضاعني حتى زهـدت حياتـي

اليوم أشعر بـالمصائب جمعت والنفس تغرق في دُجـى الظُـلُـمات

يا قلب حسبُك حسرةً وتخـاذلا فـاصمـد على المكـروه والعقبـات[32]

ويكاد يكون الشاعر عبد الله الطائي شاعرا رثائيا لكثرة مـا كتب من قصائد رثائية ، وخصوصا وهو يرثي شهداء عمان وكذلك بعض أحبته الذيـن أنكبه فيهم الموت وهو في ديار الغربة فعمقت هذه الأحداث جروحه وأضافت إلى همومه الشخصية همومـا جديدة ، ولهذا فإن رثـائياته تكـاد تنطق بحزنـه وبصدق مشاعره وبتجلده ، وهو حتى في رثـائـه يـربط بين كـل هذه المآسي ويعكسها في النهاية على حالة البلاد في تلك الفترة .

ويرسل الشاعر مـرثـاة أخرى إلى المرحوم الشيخ أحمد بن سعيد الكندي وكـان خال الشاعر عبد الله الطائي وأحد أساتذته في نفس الوقت وقد رعاه في طفولته وشبابه ، فيقول فيها :

بكيتك حتى كـدت بالـدمع أشرقُ وروحـي من بين الجـوانـح تـزهقُ

ففقـدك أذوى في الحياة شبابها وكنت لهــا زهوا بـه يـترقــرق

رفعنا بك الأعناق في كـل بلـدة فقد عشت رمـزا بالمفـاخـر ينطـق

وكنت لنا العنوان في كـل مسلك معـالمـه رأيٌ وخـلــقٌ ومــوثـــق[33]

ونلاحظ على قصائد الرثاء الخاصة صدق الشاعر وانطلاقه في التعبير عن أحزانه وآلامه التي طالما رماه بها الدهر ، ومن شدة صدق الشاعر ومعاناته لفقد أحبته فأننا نكاد نستشعر حزنه ودموعه التي تتساقط على وجناته وهو يرثيهم بكل حرقة وانكسار .

ويسلك الشاعر بدر بن هلال البوسعيدي منهجا جديدا في موضوع الرثاء، فلم تعد قصائد الرثاء لديه مخصوصة لذوي الجاه والسلطان وأصحاب المناصب مثلما فعل في قصائد المدح ، فقد تنوع رثاؤه ما بين شخصيات دينية وبعض القادة التاريخيين للأمة الإسلامية الذين وقفوا في وجه الظلم وأصحاب المثل العليا مثل الحسين بن علي وبعض الذين شاركوا في تحرير أوطانهم مثل زعيم باكستان محمد على جناح خان ، ولبعض شعراء الأمة الذين كانوا من معاصري الشاعر وتوفوا في حياته نحو أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ، فلقد أنشد الشاعر قصيدتين في رثاء الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه ، فيقول في إحدى قصيدتيه :

روع الكون أرضه والسماء يـوم ضجت بخطبها كر بلاء

يا لخطب من دونه كل خطب ومصاب قد عـز فيه العزاء

لبس الدهـر فيه ثوب حداد فهو والدهر مـالـه انضـاء

ليت شعري وهـل يبلغني الشـ ـعـر مقاما يجود فيه الـرثـاء

سبط خير الأنام والصفـ ـوة الكبرى أبوه وأمـه الزهراء

فصـلاة مـن الإله عليـه وسـلام ورحمــة وثنــاء [34]

وينطلق الشاعر في رثائه من وازع ديني يعكس تقديره وحبه لآل البيت ، كما تعبر القصيدة عن صدق مشاعر الشاعر وتأثره بمصيبة الحسين ، ويذهب الدكتور علي عبد الخالق إلى هذا الرأي فيقول عن قصيدتي الشاعر " ولعل في هذين المثلين ما يدل على أن رثاء هلال بن بدر للحسين أستوفى غايته بما أفاض فيهما من شعور صادق ، وإثارة لعاطفة الحب "[35].

و يظهر الشاعر في رثائه لشاعري الجيل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم تأثرا كبيرا لفقدهما لكنه يرثي مصر ودولة الشعر لوفاتهما ، ولا شك بان الشاعر يعتبر فقدهما خسارة للشعر وللأمة العربية فيقول :

خر نجمان من علو سماك أنت يا مصر مـا الذي قد دهاك ؟

حافظ مات ثم يتلوه شوقي أي خطب أجــل ممــا أتـــاك !

شاعر النيل من تركت لمصر بعـدك النيل مـا جرى غير بـاك

حزن الشرق يوم أن مـات شوقي روح شوقي أطـلي من علياك

يـا أمير القريض هذى القوافي أصبحت حـرة بغــير امتــلاك[36]

ونستطيع أن نشعر مدى حزن الشاعر وانكسار نفسه الرقيقة إزاء حادثة الفقد الكبيرة التي حلت بشاعري الجيل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ، ولقد نجح الشاعر في إشاعة جو الحزن والكابة خلال الأبيات الماضية وتصوير حزنه الدفين عبر مجموعة من الأساليب التعبيرية التي تناسب موضوع القصيدة نحو النداء "شاعر النيل ، يا أمير القريض" ، والاستفهام " أنت يا مصر ما الذي قد دهاك "، ثم أسلوب التكرار "روح شوقي ، ساعديني يا دولة الشعر "، " فهذه أساليب وأن بدت فيها الخطابية الجهيرة إلا أنها عبرت عن الحزن الدفين والألم الممضي الذي انتفض له الشاعر فراحت قثيارته تنشده في توجع وتألم"[37] .

وبهذا التوجه في الرثاء أخرج الشاعر هلال بن بدر موضوع الرثاء من إطاره المحلي الضيق إلى الإطار العربي والإسلامي الواسع ، وقد أتضح ذلك من تنوع رثاؤه ما بين رثاء شخصيات دينية مثل الحسين ، وأدبية مثل شوقي وحافظ وسياسية مثل محمد علي جناح ، وهو توجه جديد على الشعر العماني ويدلل على عمق تفكير الشاعر وسعيه للخروج من الإطار المحلي والتفاعل الدائم مع قضايا أمته .

ومن سخرية القدر أن الشاعر عبد الله الطائي يقوم برثاء الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي الذي كان من أساتذته الذين تلقى العلم على يديهم في المدرسة السعيدية في مسقط ، والذي يلتقي معه في نفس خط الدعوة إلى تحرير عمان من الجهل والتخلف ، فيقول :

يا ليل مـدّ من الظلام سـدولا وأجعل سـوادك يا ظلام ثقيلا

لا شأن لـي بالصبح تشرقُ شمسه والقلبُ ينشد في الصباح فتيلا

مهـلا أبـا شـعـرائنا من للمـنى يتـلـو لـدى تحقيقهـا ترتيـلا

وبقيت نسراً لا جناح بجنبه يـرجـو مـن الـرجـل العنيد جميلا

يا ناعيا لهـلال بدر أنــني أجـد اصطباري للنبا مخـذولا

قـد كنت آمـلُ أن يعيش لـكي يرى للنصـر فوق جبالنـا إكليلا

ويرى الشباب وقـد توافد جمعـه ليقيم مجداً في عمان أثيـلا

ويصوغ في نصر الشباب قصائداً يـلقـي بهـا عنـد البناء دليلا [38]

ونلاحظ أن الطائي يخرج عن الإطار العام لشعر الرثاء عند الشعراء العرب القدماء ومعاصريه من العمانيين كذلك ، فهو لا يعدد خصال البوسعيدي ومناقبه ولكنه يؤنبه بمواقفه الوطنية الشجاعة التي تهدف إلى رفعة عمان وإعادة دورها الحضاري القديم .

ونجد للشاعر الطائي قصائد أخرى في رثاء عددا من الشخصيات العربية نحو أمير الكويت والزعيم العربي جمال عبد الناصر وزعيم باكستان لياقت خان .

*************

ثانيا الموضوعات المجددة :

1- شعر الحنين :

لقد أدت هجرة الشعب العماني في الخمسينات والستينات من هذا القرن والظروف التي يعيشها الشعب العماني من الغربة والتشتت إلى بروز موضوعات جديدة على الشعر العماني منها على سبيل المثال شعر الحنين إلى عمان . وعلى الرغم من أن شعر الحنين كان له أصولا في الشعر العربي القديم إلا أننا نجد تناول الشعراء العمانيين لموضوع الحنين في هذه الفترة كان على مستويين من التناول الأول يكرر فيه بعض الشعراء نفس المعاني القديمة في تذكر الوطن خلال نوح الحمام أو مشاهدة البرق بينما ينحى المستوى الثاني إلى التجديد وتناول موضوع الحنين من خلال ذات الشاعر ومشاعر الغربة والحنين التي كان يعايشها،

ومن قصائد المستوى الأول في الحنين ، يقول الشاعر أبو سلام سليمان بن سعيد الكندي وقد ناحت بقربه حمامة وهو في الهند :

في سمر بور يا حمام أرك تكثرين النواح ما أشجاك

أفراق أراعك اليوم مثلي أم حبيب بعد الوصال جفاك

أيها الورق هل بكاؤك يجدي نفع شيء وهل بلغت مناك

فأرى الصبر في الغوائب أولى من بكاء أو سماع غناك [39]

وهذا الشعر الذي يقترب من النثر يذكرنا من شعر أبو فراس في قصيدته المشهورة " أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تعلمين بحالي " . وقد يتذكر الشاعر موطنه لحظة هبوب النسيم عليه وهو ما نلاحظه لدى عدد من الشعراء مثل الشاعر أحمد بن حمدون وقد كان في زنجبار فتذكر موطنه الأول في عمان لحظة هبوب النسيم فقال :

تنبه سميري لهذا الخبر نسيم المضيرب هبت سحر

تذكرني بمحل الجياد وتبهجني بشقيق القمر

لمن مطلع الشمس من وجهه ومن فيه قد يريك الدرر

لهوت به في زمان مضى وأنزلته في سويدا البصر

مضى ما مضى وانقضى ما انقضى وعنه عدلت لتقوى الأبر[40]

ويختار الشاعر شخصا آخر لكي يخبره بهبوب النسيم فيقول تنبه سميري وهو بذلك يسير على نهج الأقدمين في مخاطبة الآخر بصيغة المثنى نحو قفا أو الطلب من إخلائه بالتوقف كما سوف نلاحظ في القصائد القادمة .

ويكرر الشاعر سعيد بن مسلم المجيزي المعنى نفسه في قصيدة له ، مصورا حنينه إلى منازل ذكرياته القديمة لكنه يمعن في الصنعة فيجيء بقافية القصيدة في كلمة واحدة وذات معان مختلفة وهي الخال فيقول :

أخلاي بالفيحا وإن شط بي النوى فأني على حفظ العهود أنا الخال

فهل مرتعي بالروض هب نسيمه عليلا فقد يقوى بعلته الخال

وهل أنست بعدي معاهد جيرتي أم المربع المعهود من أنسه خال

فمالي والأوطان والهجر والنوى وقد ناح دون القصد عن سيرنا الخال

هنالك أوطاني ومربى شبيبتي ومنزلي المأنوس والعم والخال [41]

والقصيدة تقلد قصائد سابقة استخدم فيها الشعراء العمانيون القدماء كلمة الخال في القافية ، وقد تبعهم بعض المعاصرين في نظم مثلها [42].

ويؤكد هذا هبوط المستوى الفني لدى بعض شعراء هذه الفترة وغلبة التقليد على أشعارهم ، ويعلق الدكتور على عبد الخالق على استخدام قافية ذات كلمة واحدة بقوله " ومع أنهم يضيقون بهذا المسلك على الشاعر ويحدون من حريته في عرض أفكاره ، إلا أنهم يعدون هذا الالتزام مقياسا لبراعة الشعر بزيادة وحدات الإيقاع الصوتي "[43].

ويقول الشاعر عيس بن صالح الطائي الذي هاجر إلى الهند وقد لاح له البرق :

إذا لاح برق أو هديل ترنما تساقط مني الدمع فردا وتوأما

وأصبو اشتياقا للنسيم إذا سرى يعانق أفنان الرياض مهينما

خليلي هل وادي الصغير كعهدنا كسته يد الوسمي بردا منمنما

وهل ماؤه الجاري به غير آسن فعهدي به ينساب في الصخر أرقما

نعم شرف الأوطان عندي مقدم ولو جرعتني الضيم صابا وعلقما

وقومي وإن صدوا بإغراء حاسد أرى صدهم عني من البين أعظما [44]

والبرق تجربة قديمة لها أصول في الشعر العربي منذ الشعر الجاهلي وكذلك الإشارة إلى هديل الحمام وهذا الشعر في إيقاعه العام ومفرداته يذكر أحيانا ببعض الشعر الأندلسي ويقترب أحيانا من طبيعة الشعر الرومانسي ، وأن غلبت عليه الأبنية المأثورة والمفردات المألوفة في هذا المجال ، لأن بعض هؤلاء الشعراء قد تغرب في الهند وزنجبار وهي جزيرة أفريقية تغلب عليها المياه والأشجار والخضرة وهي قريبة من أجواء الأندلس وإن أحتفظ أكثرهم بمعاني الشعر العربي القديم وكرروها في أشعارهم.

ومن هؤلاء الشاعر خلال بن هلال الرحبي الذي يكرر المعنى نفسه في قصيدة له وهو في زنجبار فيقول :

بارق من جانب الغرب سرى فتجلى حول أرضي سحرا

جعل الرعد زفيري في الدجى إذ تراءى والدموع المطرا

ياله من بارق لي باخس أخذ النوم وأعطى السهرا

كلما لاح لعيني ضوءه انفصمت من عقد الصبر العرى

ليت شعري هل سقت غادية ربع أحبابي فأضحى خضرا

مربع ضم الأولى إن سئلوا وهبوا الجم وأعطوا البدرا [45]









ارجو الرد




من مواضيعي :
الرد باقتباس