عرض مشاركة مفردة
  #2  
قديم 21/03/2007, 10:02 AM
صورة لـ بحر الغضب
بحر الغضب
مُتميــز
 
رد: ملف / أسرار حرب 1991 و1993 وأزمة الاستراتيجية العسكرية في عهد الرئيس صدام رحمه الله

الفصل الأول
مأزق الاستراتيجية العسكرية العراقية في حرب الخليج الثانية 1991
(عاصفة الصحراء)

بلا شك كان السبب الرئيسي لاندلاع حرب الخليج الثانية (أم المعارك*) هو قيام العراق بغزو جاره الجنوبي (الكويت) في الثاني من آب عام 1990 هذا الاحتلال واجهه رفض واستهجان دولي واسعٌُ لافتقاره لمسوغات القانون الدولي والأخلاقي وكانت الأسباب الحقيقة لهذا الغزو هو الأزمة الاقتصادية الخانقة التي واجهها العراق بعيد انتصاره في حربه على إيران واعتقدت القيادة العراقية إنها تعرضت لمؤامرة سياسية واقتصاديه لصالح (إسرائيل) كانت الكويت طرفا رئيسيا فيها كطعنه غادره بظهر العراق الذي يعتقد انه أنقذ دول الخليج العربية من مخطط الإطماع الإيرانية خلال حرب طويلة تكبد فيها الكثير من الخسائر البشرية والمادية وحاول أن يجعل بعض الثوابت التاريخية حجه قانونيه لضم الكويت له لان الأخيرة كانت في يوم من الأيام قضاءا إداريا من اقضية ولاية البصرة قبيل احتلال البريطانيين للعراق في الحرب العالمية الأولى.
كان رد الفعل الأميركي سريعا جدا وذو زخم قوي جدا سواء كان ذلك في (واشنطن) أو في (نيو يورك) حيث مجلس الأمن الدولي علاوة على الاتصالات الدبلوماسية الأميركية المباشرة مع معظم دول العالم المؤثرة على قرارات المجلس وكانت الخطوة الميدانية الأولى هي أقناع (العربية السعودية) باستقبال قوات اميركية وبريطانية فورا تحت ذريعة حمايتها من غزو عراقي محتمل لم تثبت الحقائق صحة ذلك ولعبت (مصر) الدولة العربية المركزية في مؤتمر القمة العربي الطارئ ذات الدور الاميركي وخرجت القمة بقرارات خارج سياقات الجامعة العربية منسجمة جدا مع القرارات والرغبات الاميركية وضاعت فرصه حل ألازمة في محيط إقليمها العربي فتصاعدت حمة الاجتماعات واللقاءات الدولية وعمليات الحشد السريع للقوات متعددة الجنسيات تحت قياد الولايات المتحدة في تشكيل أكبر تحالف دولي بعد (الحرب الكورية 1950-1953) فامتلأت السماء ضجيجا بأصوات محركات الطائرات المقاتلة والنقل من كل الجهات نحو مطارات العربية السعودية وبعض دول المنطقة كذلك سلكت حاملات الطائرات وعشرات السفن الحربية والنقل والإسناد كل طرق الملاحة البحرية نحو موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر فشكلت تلك القوات المرحلة التمهيدية لطرد العراقيين من الكويت وقد أطلق عليها اسم عمليات(درع الجزيرة) وكان ضمنها قوات عربية مصرية وسوريه وغيرها من الدول العربية والاسلامية.
* التسمية العراقية لحرب الخليج الثانية.

أما رد فعل القيادة العراقية فكان وسطا ما بين الارتباك واللامبالاة للزخم الكبير للأحداث والقرارات الدولية ضده وسرعة الإجراءات المنفذة بحقه ومنها تجميد ارصدتة وفرض الحصار الاقتصادي عليه فورا ناهيك عن التنامي السريع للقوات التي باتت تحتشد قريبا من حدوده . ففي الساعة 1930 يوم 12 آب 1990 أعلن الرئيس العراقي صدام حسين مبادرة غير واقعية للانسحاب من الكويت مقابل إنسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية وانسحاب القوات السورية من لبنان إلا إن هذه المبادرة جوبهت فورا بالاستهجان والرفض الدوليين... وبعد أربعة أيام أعلن الرئيس نفسه في رسالة متلفزة إن قدرة العراق غير محدودة في الصمود أو في المنازلة العسكرية وان العراق بلد شجاع لا يأبه للتهديدات السافرة للولايات المتحدة الاميركية ومن سار في ركبها ولا ترهبه حركة الأساطيل الجوية أو البحرية وحوت الرسالة الكثير من العبارات القاسية للزعامة الاميركية التي اتهمها كأدوات سياسية للصهيونية.
في السابع عشر من آب 1990 صدرت أوامر لقوات الحرس الجمهوري المدافعة في ساحة العمليات الكويتية بعد احتلالها بالتهيؤ لصد اية عمليات هجومية فورية للقوات المعادية مع أجراء سلسله طويلة من الاستطلاعات والممارسات لتفادي اية مفاجاة. بالوقت ذاته أعلن العراق عن قيامه بحجز كل رعايا الدول التي جاهرت بالعداء ضده فجوبه بحملة إعلامية و دبلوماسية عنيفة بالرغم من إن هذا الإجراء واشد منه اتخذته معظم دول العالم في حالة الحرب ومنها الولايات المتحدة ضد مواطنيها من أصول يا بانية ثم اتخذت القيادة العراقية قرارا تكتيكيا لتأمين جبهتها الشرقية مع إيران حين وجه الرئيس صدام حسين رسالة إلى الرئيس الإيراني (رافسنجاني) يطالبه بطي صفحات الماضي وتسوية اية متعلقات ومنها الإطلاق غير المشروط للأسرى ليتسنى للعراق الوقوف بقوه أمام العدو المشترك (أمريكا) وقد تعاملت إيران مع الموقف العراقي بدهاء سياسي واضح فهو الوقت المناسب للثأر وبسرعة نفذ العراق ما عليه تجاه إيران ومن ذلك إعادة اعترافه باتفاقية (الجزائر*) عام 1975 دون انتظار رد فعل الجانب الآخر.

*اتفاقيه ترسيم الحدود الخاصة في (شط العرب) مابين البلدين.
في الحادي والعشرين من آب 1990 صدمت القيادة العراقية صدمة أخرى مؤلمة حيث اتخذ الرئيس الفرنسي (فرانسوا ميتران) قرارا لإرسال قوات مسلحة إلى السعودية ضد العراق والذي كان ينظر إلى (فرنسا) كشبه حليف استراتيجي ولم ينفعها احتجاجات الديغوليين في البرلمان الفرنسي وفي الخامس والعشرين من آب 1990 أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يسمح باستخدام القوة في تنفيذ الحصار الاقتصادي الشامل على العراق بالوقت الذي كانت عمليات حشد القوات الجوية و البحرية و البرية قائما و بوتائر عالية توافق ذلك مع سيل من الزيارات لوفود سياسية غير رسمية لبغداد وقد ترأس بعضها العديد من الشخصيات السياسية السابقة كالأمين العام للأمم المتحدة (كول فالد هايم) ومرشح الرئاسة الاميركي القس (جاكسون) ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق (أدور هيث) حيث قابلوا الرئيس صدام حسين لاستطلاع جديه قراراته والرجاء بإطلاقه عددا من المحجوزين العائدين لدولهم ... ألا إن الموقف السياسي العراقي كان في تدهور مستمر بالرغم من الجهود الكبيرة التي قامت بها الدبلوماسية العراقية برئاسة (طارق عزيز) فالأصدقاء السوفيات في وضع شبه يائس والفرنسيون قد حسموا موقفهم بالاصطفاف مع الركب الدولي بقيادة اميريكا ولم يعد للعراق سوى بعض الدول العربية كفلسطين والأردن والسودان واليمن و 70 % لمن الرأي العام العربي. وكل ما سعى إليه المبعوث السوفيات (بريماكوف) هو إقناع العراق والمجتمع الدولي بمبادرة تمثل مساعي مستمرة لنزع فتيل الحرب, أما الفرنسيون فقد اشترطوا في السابع من أيلول 1990 استخدام الحل العسكري ضد العراق بقرار بالإجماع لمجلس الأمن الدولي وتحت راية الأمم المتحدة.


ِِِالمكونات و المرتكزات التمهيدية للاستراتيجية العسكرية العراقية لحرب 1991
لم يكن يوما موضوع احتلال الكويت مشروعاً عملياتياً قد أعد مسبقاً وفقاً لأية نظرية احتمال سياسية منذ عام 1961 عندما طالب حينذاك ٍ رئيس الوزراء الأسبق (عبد الكريم قاسم) بضم الكويت للوطن الأم العراق.
وعندما نفذ غزو الكويت من قبل جيش الحرس الجمهوري تفاجئت القيادة العسكرية العراقية (وزارة الدفاع ورئاسة أركان الجيش) بهذا الحدث الكبير حيث لم تتطلع على نوايا العمل وتوقيتات تنفيذه ومعظم عناصر القيادة علمت بذلك من خلال أجهزة الأعلام وعندما بدأت القيادة العسكرية العليا بكل مكوناتها دراسة موضوع الدفاع عن ساحة العمليات الكويتية ولم يكن أحد يتصور حينذاك بأن الموقف العام سيتطور إلى حرب مواجهه مع الولايات المتحدة وحلفائها مع التوقع أن انسحاباً عاماً سيتم خلال مده لا تتجاوز أسبوعاً واحداً إلا إن تطورات الموقف تسارعت واتسعت كثيراً حتى تجاوزت حدود المنطق العام وتطلب إعداد دراسات تفصيلية و معمقة.
ساحة العمليات الكويتية جرت دراستها بعمق عندما صدر توجية السياسة العليا باعتبار الكويت جزءاً لا يتجزأ من العراق وجب الدفاع عنه حتى النهاية وكان موجز تحليل طوبغرافية الكويت بأنه ساحة عمليات صحراويه يشكل الخليج العربي حدودها الشرقية وتتوفر فيها عدد من الموانئ البحرية المهمة والخلجان أهمها ميناء الأحمدي وخليج الكويت وعلى قبالة تلك السواحل في القسم الشمالي منها ثلاث جزر هي (فيلكا وربه بوبيان) حيث تدخل ضمن حسابات الدفاع الساحلي أو تجاه الدفاع عن الموانئ العراقية جنوب البصرة. تعتبر عارضة المطلاع: وهي عبارة عن سلسلة تلول كلسية بيضاء تؤمن الدفاع شمال مدينة الجهراء وشمال غرب العاصمة (الكويت) وتشكل المناطق الحضرية ومنطقة الكثبان وسط جنوبي الكويت معوقات لحركة القوات الثقيلة. أما المطارات والقواعد الجوبة (مطار الكويت الدولي قاعدة أحمد الجابر قاعدة علي السالم) والطرق الموصولة بها تؤمن تسهيلات للصولات الجوية المعادية إلا إن المعضلة ستكون في انفتاح القوات المدافعة في أراضي مكشوفة حيث لا تتيسر الأستار الكافية لهذا الغرض. أما القسم الغربي من ساحة العمليات فيشكل وادي حفر الباطن العارضة الاساسية فيه ويؤمن تسهيلات لتسلل قوات كبيرة من خلاله نحو الحدود العراقية.
أما خلاصه تقدير موقف الاستخبارات فيشير إلى أن جدية القرارات وسرعة تنفيذها سواء الصادرة من مجلس الأمن الدولي أو من الإدارة الاميركية يؤهل الولايات المتحدة من تشكيل تحالف عسكري دولي يؤمن القوات الكافية لتحقيق التفوق المطلوب للتعرض على ساحة العمليات الكويتية و أن نوعية هذه القوات سيعطيها مضاعف قوى خطير إلى جانب تيسر الإعداد اللازمة لشن التعرض إلا إن القوات الثقيلة وهي قد تشكل 60 % من القوات المتوقع حشدها أمام هذه الساحة تحتاج إلى فصل الشتاء للحصول على تماسك ملائم لرمال الصحراء وعليه من خلال حساب سرعة عمليات التحشد فأمام الولايات المتحدة مدة لا تقل عن اربعة اشهر لإكمال تلك العمليات ابتداءً من الأول من أيلول 1990 على أقل تقدير بما فيها القوات البحرية التي يمكن إن تضم جميع حاملات الطائرات الاميركيه والبريطانية والتي ستتحشد مع باقي القطع البحرية (القسم الأكبر منها في مياه الخليج العربي و القسم الأصغر في البحر الأحمر) أما عمليات الإنزال البحرية المتوقعة تتطلب احتلال جزيرة (فيلكا) أولاً ثم جزيرة (بوبيان) ثانيا ويمثل مينائي الأحمدي و الشعيبية وخليج الكويت مناطق ملائمة لتلك الانزالات والخطورة تكمن في الفيلق 18 الاميركي وهو فيلق محمول جوا يتألف من (الفرقة 82 والفرقة 101والفرقة المدرعة 24).
تقدير الموقف الاستراتيجي العسكري العراقي تلخص بما يأتي:

• تنقسم ساحة العمليات الكويتية إلى أنواع غير متجانسة (بحرية - صحراوية - مناطق حضرية - الخ) مما يتطلب إعطاء كل مكون من العوارض الأرضية إلى فيلق كقاطع عمليات وان تقدير الواجبات والمهام يتطلب أنفتاح كامل القوات البرية العراقية عدا قوات الحرس الجمهوري التي ستشكل الاحتياط الاستراتيجي.
• يتطلب تعزيز الدفاعات الساحلية بقدرات القوة البحرية العراقية ومنها ضرورة إنشاء حقول ألغام بحرية ثابتة وحرة قدر الامكان لإبقاء القسم الأعظم من سفن العدو بعيدة عن أهدافها.
• يتطلب الانفتاح أقصى ما يتيسر من إمكانيات الدفاع الجوي والقوة الجوية في هذه الساحة لأنها ساحة مفتوحة وللعدو إمكانية تأمين موقف جوي بأعلى درجات التفوق.
• تدعو الحاجة إلى تقليص الجبهات وزيادة شدة التوقيف للموانع المختلطة من الألغام المتنوعة وحقول النار (عبارة عن خنادق تملئ بالوقود يحرق عند إقتراب العدو) و الأسلاك و المعرقلات السلكية.
• تدعو الحاجة إلى تشكيل احتياط كبير في ساحة العمليات العراقية.
• ستكون القواعد الجوية العراقية والمطارات أهداف أولية للقوات الجوية المعادية.
• المنشات النفطية في الكويت والعراق تتطلب قوات لحمايتها والقرار على تدميرها أو إبقائها عند الضرورة يحتاج موافقة القيادة السياسية.
• إن إعداد ساحة العمليات الكويتية يستنزف كل طاقات وزارة الدفاع واستخدام جهد الدولة خاصة وزارات (النقل الري النفط الزراعة) ضرورة لا غنى عنها.
• إن المقترح الأولي للانفتاح العام للقوات العراقية في ساحة العمليات الكويتي كآلاتي:-
أولا: الفيلق الثالث: قاطع عملياته (الحدود الكويتية السعودية الساحل القسم الجنوبي منه الوفرة الأحمدي العاصمة الكويت المنيفيس).
ثانيا: الفيلق الرابع : قاطع عملياته (هضبة المطلاع السالمي).
ثالثا: الفيلق الثاني:قاطع عملياته (القسم الشمالي العبدلي الروضتين أم العيش).
رابعا: الفيلق السادس + القوه البحرية: قاطع عملياتهما (الجزرفيلكا وربه بوبيان الموانئ العراقية البكر الفاو البصرة أم قصر القسم الشمالي من الساحل الكويتي).
خامسا: الفيلق السابع: قاطع عملياته القسم الشمالي الغربي العمليات.
سادسا: جيش الحرس الجمهوري: وفقا لتوجية القائد العام للقوات المسلحة احتياط استراتيجي في القسم الشمالي من ساحة العمليات ولا يستخدم إلا بأمر منه.
سابعا:الفيلق الأول الفيلق الخامس: احتياط عام ضمن قواطع عملياتهما في العراق.
عقدت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية سلسلة من الاجتماعات أقرت فيها خطة الانفتاح الأولية وأصدرت الأوامر بتبديل قوات الحرس الجمهوري بقوات الجيش وكان ذلك يوم الأول من أيلول 1990 على أن تنجز عمليات التبديل والانفتاح مدة أقصاها الأول من تشرين الأول 1990. وكانت مرتكزات الاستراتيجية العسكرية العراقية قد تحددت بما يأتي:
• القبول بخوض الحرب مع الولايات المتحدة وحلفائها دفاعا عن الحق المشروع للعراق بالدفاع عن أراضيه وشرفه في ساحة العمليات الكويتية كجزء لا يتجزأ من العراق والى أي مكان تمتد إليه الحرب.
• التركيز في الخطة الدفاعية على المعركة البرية التي يخشاها العدو كثيرا كاحتمال قوي وأطالة مدة الحرب إلى أقصى مدى ممكن.
• تفادي تأثير الضربات الجوية والصاروخية والى الحد الأدنى وتامين أقصى حماية ممكنه للقوات المدافعة من وسائل الدفاع الجوي الايجابي (مختلف الأسلحة المتيسرة) والسلبي (حفر المواضع وأعمال التموية)
• تشكيل قوه ردع قويه قوامها سلاح صواريخ أرض أرض وعدد من الطائرات المقاتلة يقودها طيارون انتحاريون لضرب حاملات الطائرات الاميركية إذا عجزت الوسائط البحرية من التعرض عليها ومن الأهداف المحتملة أهداف منتخبه في (إسرائيل) المستفيدة الأولى من الحرب على العراق مع تهيئة عدد من الصواريخ والطائرات لاستخدام الأسلحة الكمياوية عند الضرورة.
في السابع و العشرين من أيلول/ سبتمبر/1990 تكامل أنفتاح 75% من قوات الجيش العراقي في ساحة العمليات الكويتية مما سمح لقوات الحرس الجمهوري بالحركة إلى شمال ساحة العمليات كاحتياط إستراتيجي ثم بدأت اكبر عمليات شهدها الجيش العراقي بوقت قصير لأعداد ساحة عمليات كبيرة لأغراض المعركة الدفاعية تجاه تعرض معادي يشترك فيه أعظم جيوش العالم فأستخدم جهد الدولة الهندسي و الإداري لهذا الغرض و قد خصصت مساحة 120 كم مربع كأصغر منطقة انفتاح لمستوى لواء مدرع لتقليل تأثير الضربات الجوية مع أخفاء كامل للأسلحة و الدروع تحت مستوى سطح الأرض (مواضع الاختفاء) فعملية إعادة انتشار جيش تعداده يصل إلى 850 ألف مقاتل بعد إعلان النفير العام (تم تشكيل 20 فرقة إحتياط) في جميع فروع القوات المسلحة العراقية مع آلاف الدروع والمدافع و أسلحة الدفاع الجوي و الصنوف الساندة و القوات الجوية والبحرية في العراق والكويت عملية شاقة ومكلفة جدا و الكل بين مصدق أو مكذب لفرضية الحرب و ضغطت القيادة السياسية و من خلال القيادات الحزبية أقصى ضغط فكري لقبول فكرة الحرب مع الإشارة للمنافع الاقتصادية الكبيرة التي سيحصل عليها الشعب العراقي في حالة كسب الحرب و لعب السياسيون و بعض القيادات العسكرية دورا كبيرا و من خلال وسائط الإعلام الخارجية و الداخلية بالاستخفاف بقدرة الأعداء على خوض حرب ناجحة و طرقت طبول الحرب عالياً و كانت بعض التسريبات لبعض أعضاء القيادة السياسية تشير إلى إن الحرب لن تقع و خاصة من قبل عناصر قيادية مقربة من الرئيس ك (حسين كامل و علي حسن المجيد و غيرهم) مع الإيحاء بأننا نمتلك أسلحة ردع ، ضن الكثير من الشعب و المقاتلين بأننا نمتلك سلاحا ذريا أو ما شابه ذلك.
في الحادي و العشرين من تشرين الأول/ أكتوبر/1991 أعلن التلفزيون العراقي عن عقد اجتماعين للقيادة العامة على أثرها طلب من الوحدات أجراء سلسلة من الاستطلاعات الميدانية المفصلة على جميع المقتربات المحتملة لتقرب العدو حيث توفرت معلومات دقيقة عن العدو من خلال استنطاق ثلاثة أسرى من المقاتلين الفرنسيين أحدهم برتبة نقيب عندما وقعوا أسرى في أحدى الكمائن العراقية المتقدمة حيث علم بأن الخط الأمامي للقوات المتحشدة تبعد عن الحدود الدولية بمسافة لا تقل عن 40 كم و أن عدد القوات المعادية التي أكملت تحشدها في السعودية بلف 350 ألف مقاتل مع 1200 دبابة و مدرعة و ما يزيد عن ألف طائرة مقاتلة عدا طائرات النقل و مئات من طائرات الهليكوبتر المسلحة و النقل و إن أكثر من 70 طائرة قصف استراتيجي (B52) استقرت في قواعد ( دي غارسية. جبل طارق. بعض القواعد الأميريكية) مما أدى إلى فرضية قيام العدو بالتعرض خلال مدة غير طويلة.
لقد شعرت القيادة السياسية العراقية بإحباط شديد لنتائج مؤتمر باريس الذي حضرته 34 دولة ضمنها الاتحاد السوفياتي و دول الكتلة الاشتراكية لأعلان نهاية الحرب الباردة و هذا يعني المزيد من الأخبار السيئة التي تنتظر العراق في مرحلة هو اشد الحاجة فيها إلى أصدقاء و من يقوى منهم على تفتيت التحالف السياسي و العسكري بقيادة أمريكا مما أضطر القيادة العسكرية العليا إلى سحب سبع فرق قتالية من شمال و شرقي العراق و قبول المجازفة و زجها في ساحة العمليات الجنوبية لإجبار العدو على تأخير هجومه لحاجته لرفع نسبة التفوق الميداني مما دعى إلى أعادة أنفتاح فيالق الجيش العراقي و بضمنها الفيلق الأول و الفيلق الخامس ليرتفع تعداد القوات المدافعة في الكويت وجنوب البصرة إلى 750 ألف مقاتل ضمنها جيش الحرس الجمهوري.
يوم الثالث و العشرون من تشرين الثاني/نوﭭمبر/ 1990 عرضت الخطة الإستراتيجية للدفاع عن ساحة العمليات الكويتية تجاه تعرض محتمل لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على قيادات الحرس الجمهوري (الاحتياط الاستراتيجي) و كانت هناك مناقشة مفتوحة حول الخطة و أن كاتب هذه السطور أشار إلى جملة من السلبيات أهمها:-
• أن الاعتماد على استراتيجية الحرب البرية تجاه استراتيجية الحرب الجوية البرية ذات المناورة العميقة التي تعتمدها الولايات المتحدة و حلفائها الغربيون يعني إن ذروة الهجوم المعادي ستكون خارج ذروة الدفاع (عمق الدفاعات) لاعتماد العدو على إنهاك وتثبيت القوات المدافعة بسلسلة طويلة من عمليات القصف الاستراتيجي و التكتيكي (تعبوي) لتحديد حرية حركتها و أطلاق حرية العمل له لما يمتلكه من قابلية عالية على الحركة على محيط دفاعاتنا و بإسناد جوي كبير تشكل الهليكوبترات المقاتلة جزءاً مهماً يجمع ما بين قابلية الحركة و القوة النارية.
• أستشهد بمقولة المارشال الألماني (روميل) عندما كان قائدا للجبهة الغربية (ب) عام 1944 (أن من أمتلك التفوق الجوي جعل أسلحة خصمه كالسيف و القوس ) وعليه ينبغي الطلب من القيادة العليا بإعادة تقييم أهدافها العملياتية و التنازل عن هذه الصحراء المترامية الإطراف و التركيز على حرمان العدو من قدرته على احاطة ساحة العمليات من الجانب الغربي نحو جنوب العراق و هذه مناورة أكيدة لا محال منها. وعليه التركيز على جزيرتي وربة و بوبيان و القسم الشمالي (حقول النفط) و اعتماد عارضة المطلاع كمركز لدفاعاتنا.

وإجبار العدو على خوض سلسله من معارك المدن منها في العاصمة الكويت والجهراء مع تدمير كافة المطارات و القواعد الجوية والاعتماد على القوات الخاصة والمشاة لمثل هذه المعارك أما القطعات المدرعة فينبغي إن تدافع في العمق وبمجموعات صغيرة للحيلولة دون تشكيلها أهدافا ملائمة للضربات الجوية مع ضرورة تأمين دفاعات بالعمق العراقي على مستوى جحافل ألوية تنفتح في مفاصل مهمة ما بين شط العرب شرقا حتى قاعدة (علي بن أبي طالب) في جنوب الناصرية غربا لإحباط أية احاطات معادية مدرعة بالتعاون مع القوات المحمولة جوا للفيلق 18 الأميركي. وأخيرا أن الخطة استبعدت الضربات الجوية الاستراتيجية في العمق العراقي وليس معقولا أن الضربات الجوية ستنفذ في ثلاثة أيام كما جاء في الخطة بل المنطق إنها ستكون الأساس في تفتيت صلابة المدافعين قبل التعرض البري لمدة لا تقل عن شهر واحد ليتناسب ذلك مع حجم القوات المدافعة.
• إن المشكلة الأساسية في هذه الخطة تكمن بهيمنة تجربة الحرب مع إيران في حساباتها تجاه أعلى مستويات جيوش حديثة عرفها تاريخ الحرب المعاصر للحرب القادمة وأن دورة العمليات الدفاعية ستكون عاجزة عن التنفيذ نتيجة للتفوق الجوي الساحق لصالح العدو مما سيقيد حركتنا مقابل حرية مطلقه له بالمناورة. أن الاقتراب غير المباشر جزء أساسي من عقيدة الجيش الاميركي والتفتيت لمنظومة دفاعاتنا أسبقية استراتيجية في قواعد العمل المعتمدة لديهم والخطة برمتها تحتاج إلى الكثير من المراجعة.
... وفقا لطبائع السلوك العسكري العراقي اعتبرت هذه الملاحظات غير مقبولة وأخذت طابع سياسي وغير ذلك نحن لسنا بصدده.
ليلة 29/30 تشرين ثاني/نوﭭمبر/ 1990 أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بتوجية إنذار نهائي للعراق للاستجابة لكل القرارات السابقة الصادرة من الأمم المتحدة وخاصة القرار الخاص بالانسحاب الفوري من الكويت ومنح العراق مدة 45 يوما كحد أقصى للتنفيذ ويصادف ذلك في الخامس عشر من كانون الثاني 1991 حسب التوقيت المحلي للمنطقة وبخلافه تخول قوات التحالف الدولي بشن الحرب لتنفيذ القرار. وفي الثاني والعشرين من كانون الأول 1990 بلغت الحشود المعادية معدلات كبيرة تؤهلها من شن الحرب (400)ألف مقاتل (4000) دبابة وعجلة قتال (600) هيلكوبتر مسلحة ونقل (2000) طائرة مقاتلة وإسناد (400) قطعة بحرية بضمنها سبع حاملات طائرات مع احتمال لاشتراك القوة الجوية الاسرائلية بالقتال عند الحاجة.
لقد ضم التحالف العسكري الدولي وحدات وقوات ل(28) جيش دولي. عند ذلك رأي القائد العام العراقي (الرئيس) ضرورة تعيين وزير دفاع جديد يتمتع بخبرة عسكرية أكاديمية وعملية جيدة بدلا من الوزير السابق الذي عين مؤقتا (الجنرال عبد الجبار شنشل) بعد وفاة وزير الدفاع الأسبق (الجنرال عدنان خير الله) الذي قتل في حادث طائره في الرابع من مايس عام 1989 . أسباب التبديل المعلنة لتجاوز العمر القانوني (كبر السن) وان اختياره وقع على الفريق أول (جنرال) سعدي طعمة الجبوري وصدر مرسوم جمهوري بذلك يوم 22 كانون الأول 1990 وكان هذا الرجل يشغل منصب المفتش العام للقوات المسلحة إلا أن فرص استثمار كفاءاته محدودة لعده أسباب أولها أنه غير قادر على تبديل أوضاع ميدانية وصلت إلى ذروتها ويفصلها عن نهاية الإنذار بشن الحرب سوى ثلاثة أسابيع تقريبا وثانيهما إن هذا الرجل شديد الانضباط ولاعتبارات إنسانية يصعب عليه أبداء وجهات نظر لتعديل خطط نزلت عميقا في الميدان وهو في صدمة حدث تعينه بشكل مفاجئ لهذا المنصب الكبير وقد يكون في قراره نفسه يعلم أنه كبش الفداء العظيم للخسارة المضمونة التي لاحت في الأفق القريب. وإذا كان هناك نصر فهو ليس له ومن شاهده في تلك الأيام شعر بقلقه البائن للآخرين وكان يشعر آنذاك بمنافس شديد وقوي جدا لقرابته من الرئيس إلا وهو (حسين كامل).
الغريب أن صلابة التعنت للقرار السياسي العراقي بلغت ذروتها عند فشل لقاء (طارق عزيز) و(جيمس ببكر) وزير خارجية أميركا لدرء الحرب في التاسع من كانون الثاني 1991 .يقابل ذلك فشل المساعي السوفياتية برمتها وقبل نهاية الإنذار بثلاثة أيام منح الكونغرس الاميركي باغلبية ستة أصوات الضوء الأخضر للحرب وبدعم كامل للرئيس (جورج بوش). يوم 15 كانون الثاني 1991 يوم نهاية الإنذار زار الرئيس صدام حسين القوات العراقية في ساحة العمليات الكويتية وهو بمعنويات عالية وعند الساعة 1800 نظر إلى ساعته وهو يتفقد بعض الدفاعات العراقية الساحلية ثم رفع رأسه مبتسما فقال كلمة واحدة (( أينهم ؟ )) وحين زار إحدى المقرات الميدانية للحرس الجمهوري وجه سؤالا إلى الفريق الركن (الجنرال أياد الراوي) قائد الحرس الجمهوري عن نسبة توقعه للهجوم الذي انتهت مدة إنذاره اليوم أجاب أن الهجوم المعادي يقع باحتمالية لا تزيد عن واحد بالألف وبالتأكيد هذا الاستبعاد غير المنطقي للحرب ناتج عن الملاحظات المخطؤة التي استمعها هذا القائد من بعض القيادات السياسية ك (حسين كامل و علي حسن المجيد) اللذين كررا كثيرا عبارة ((إن الحرب لن تقوم)) ولا يختلف اثنان بشجاعة ونزاهة وعدالة هذا القائد إلا انه كمعظم القادة العراقيين لا يهتمون كثيرا بالثقافة الإستراتيجية للحرب والتسليم للرأي السياسي بشكل مطلق.
إلا أن التوقيت الحقيقي لمدة الإنذار انتهت عند الساعة 830 يوم 16 كانون الثاني 1991 بالتوقيت الاميركي ولم تنتظر قوات التحالف كثيرا ففي الساعة 230. يوم 17 كانون الثاني 1991 بالتوقيت المحلي للخليج العربي سقطت أولى مقذوفات طائرات الشبح والصواريخ الجوالة على أهداف مختلفة في بغداد. عندها بدأت عاصفة الصحراء بمرحلتها الأولى من الحرب وهي سلسلة طويلة من القصف الاستراتيجي والتكتيكي (الميداني) الذي دام (39) يوما بلياليها شمل ساحة الحرب برمتها (العراق- الكويت) حيث ألقت طائرات القصف الاستراتيجي والتعبوي كالطائرة B1- B2 - B52 – F117 والتورنيدو- (- F111 F 16 ) أكثر من مائه ألف طن من القنابل وأكثر من (400) صاروخ جوال بعيد المدى فوق العراق أما قوات الميدان فقد نالتها مئات الألوف من المقذوفات المسيرة والاعتيادية ومقذوفات المدافع البرية ومدافع البوارج البحرية ذات العيارات الكبيرة (420 ملم) ولعبت الطائرة القديمة المحدثة A 10 والهليكوبتر المسلحة (الاباشي) دورا رئيسيا في تدمير دروعنا وأسلحة دفاعنا الجوي ومدافعنا الثقيلة حيث أدت هذه السلسلة الطويلة من الهجمات الجوية والصاروخية إلى تفتيت صلابة مقاتلينا وكان معدل خسائرنا الإجمالي بالقصف الجوي والصاروخي وصلت إلى 25 % للاحتياطيات الرئيسية و 10 % للوحدات العامة أما الإصابات المعنوية أكثر بذلك بالطبع مقابل إسقاط (134) طائره سقط منها على القطعات المدافعة (86) طائره مع عشرات من الصواريخ الجوالة معظمها أسقطتها بطريات الدفاع الجوي الموجهة والباقي أسلحة الدفاع الجوي الحرة وثلاث طائرات أسقطت بالقتال الجوي.
أما الضربات الصاروخية لصواريخ الحسين العراقية أرض- أرض ذات المدى المتوسط (650كم) فقد أصابت عدة أهداف حيوية في (إسرائيل) والسعودية وبعض أقطار الخليج وكانت إحدى الإصابات مؤلمه للجانب الاميركي عندما قتل وجرح احد تلك الصواريخ أكثر من مائة اميركي ضمنهم (29) طيار في قاعدة الظهران الجوية. واصل هذا الصاروخ (الحسين) الصاروخ السوفيتي (سكود B) ذو المدى (280 كم) الذي طورته مصانع التصنيع العسكري العراقية في حين فشلت البطريات الصاروخية المضادة (باتريوت) في التصدي الفعال ضدها.
حاولت القيادة العراقية استدراج قوات التحالف للمعركة البرية بأسرع ما يمكن حين طال انتظار تلك المعركة مع زيادة خسائرنا بالضربات الجوية سواء المادية أو المعنوية مما دعى القائد العام (الرئيس) زيارة الفيلق الثالث بقيادة الميجر جنرال (اللواء الركن صلاح عبود) وطلب منه شن هجوم بمستوى فرقه لاحتلال مدينة الخفجي السعودية ومينائها لغرض إغراء العدو وجره إلى الحرب البرية ووقع الاختيار على الفرقة الآلية الخامسة بقيادة (العميد الركن ياسين المعيني). وبإسناد الفرقتين الثالثة المدرعة والأولى الآلية بقيادة (العميد الركن حسن زيدان والعميد الركن حسين حسن) وكان ذلك يوم الثلاثين من كانون الثاني 1991 ونجحت الفرقة الخامسة من الاحتلال المؤقت للهدف ونتيجة للقصف الجوي والمدفعي الشديد انسحبت هذه الفرقة يوم الثالث من شباط 1991 دون تحقيق هدف جر العدو للمعركة البرية وكانت خسائرها (650) مقاتل وقع ما يقارب من (500) منهم أسرى بيد العدو مقابل أسيرين اميركين احدهما مجندة. وبعد عشره أيام ارتأت القيادة العراقية تكرار العمل لاستدراج العدو للمعركة البرية وكانت الخطة تقضى بقيام جيش الحرس الجمهوري (ثمانية فرق) بالتعرض نحو العمق السعودي لمهاجمة العدو في قاطع (المشعاب والخفجي) إلا أن معضلة حركه قوات كبيرة في ميدان صحراوي مكشوف تحت تفوق جوي معادي لمسافة تزيد عن (200كم) تعني عملية انتحار جماعي لأفضل القوات المدافعة وبعد مداولة دامت يومين نقل قائد الحرس الجمهوري رأي القادة الميدانيين بضرورة صرف النظر عن هذه الخطة المضمون فشلها واخذ بهذا الرأي في القيادة العليا وهذه أول مره يحدث مثل هكذا نقض لخطه منذ عام 1980.
بعد 39 يوما من القصف الجوي والمدفعي والبحري أي ليلة (24 شباط 1991*) شنت قوات التحالف هجومها البري الواسع وأساس هذا الهجوم قوه المناورة الواسعة من الغرب حيث وصلت قطعاتها الأمامية نهر الفرات مع مناورة متوسطة المدى (الجهد الثانوي) التي استهدفت الاحتياطيات المركزية مع هجوم بامتداد الساحل للخليج باتجاه مباشر نحو المدن الرئيسية. إلا أن القيادة العراقية استشعرت بخطر عزل وتطويق القوات الرئيسية في ساحة العمليات الكويتية فأصدرت أمرا سريعا وحاسما وغير متوقع بالانسحاب الفوري نحو الأراضي العراقية ضمن قاطع البصرة والدفاع هناك على عجل فنفذ الانسحاب بشكل مرتبك جدا (كيف ينسحب جيش كبير فور استلامه أمر الانسحاب قد حرم بالأساس من مجرد التفكير بالانسحاب ناهيك عن سلسلة طويلة من استحضارات الانسحاب التي تحتاج القوات إليها كتهيئة مواضع الإعاقة ومواضع الدفاع بالعمق وفتح الطرق الخاصة بالانسحاب) ومناورة
* في هذه الليلة أصيب كاتب المقالة بجروح عديدة نتيجة قصف طائرات مقاتلة الدروع (A 10) لمقره الجوال فخرج من المعركة.
كهذه من اعقد وأصعب العمليات الحربية التي تمارسها الجيوش في الميدان وعليه كان الانسحاب أشبه ما يكون بالهزيمة الكبرى فتركت القطعات المقاتلة أثقالها ومواد تموين قتالها (الذي تحتاج إلى عده ليالي لترقيقها إلى الخلف) وليس أمام هذه القطعات إلا ساعات فشكلت هذه (أي القطعات) أهدافا كبيرة سهلة المنال للقوة الجوية للتحالف فأصبح الطريق المركزي (الجهراء- العبدلي)يدعى بطريق الموت وقد طاردتها القوات المعادية ولكن بحذر وكانت هناك قوات عراقية أجبرت على القتال بمطار الكويت وبعض أجزاء من العاصمة لأنها لم تتمكن من الانسحاب أو لم يصلها الأمر. إلا إن معدل عام مقداره 70% من القوات المنسحبة من ساحة العمليات الكويتية نجت من الموت أو الأسر حين عبرت الحدود نحو العراق إلا إن 50% من هؤلاء فقدوا أرادتهم على القتال نتيجة أسباب عديدة منها صدمة المعركة والإعياء والنسبة العالية بالإصابات. إلا إن قوات الحرس الجمهوري كانت بقدرات قتاليه ومعنوية جيده فتصدت للقوات المطاردة بقوه فدارت معارك شديدة يومي 26/27 شباط إلا إنها تكبدت خسائر كبيرة جراء القصف الجوي وضربات طائرات مقاومة الدروع كالاباتشي ذات التأثير الفعال جدا على دروعنا وعند الساعة 800. يوم الثامن والعشرون من شباط أعلن الرئيس الاميركي (جورج بوش) وقفا للعمليات الحربية وإعلان انتهاء الحرب في الميدان بعد (43) يوما بلياليها تكبد الجانب العراقي خسائر فادحة في أسلحته ومعداته وما يزيد عن مائتي ألف أصابه مختلفة وما يزيد عن 60 ألف أسير.... وعندما انصرفت قوات التحالف لمرحلة إعادة التنظيم واجهت القوات العراقية ستة أسابيع أخرى لقمع الانتفاضة الشيعية في المنطقة الجنوبية والمدعمة بشكل مباشر من قبل العدو القديم إيران والتمرد الكردي في شمالي العراق.
خلاصة الموضوع
خير من يوصف مأزق الاستراتيجية العسكرية العراقية في حرب الخليج الثانية عام 1991 رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول (جنرال) حسين رشيد التكريتي* حين سأله احد الأصدقاء عن وصفه لما حدث؟ أجاب (( كأننا وسط دوامه بحريه هائلة أخذتنا عميقا حتى لامست أقدامنا قاع البحر إلا إن الحظ الحسن أدركنا أخيرا حين وجدنا أنفسنا نصف غرقى متشبثين بقطع خشب طافية ))

* عين الفريق أول (جنرال) حسين رشيد رئيسا لأركان الجيش بدلا من (الجنرال) نزار الخزرجي الذي أبدى تحفظات كثيرة في الحرب مع أميركا.
إلا انه يمكن إجمال عناصر ذلك المأزق بما يأتي :
• إن القيادة السياسية (الاستراتيجية العليا) العراقية حددت أهدافا كبيرة جدا فاقت قدرة القوات المسلحة العراقية لتحقيق تلك الأهداف إي عدم (مطابقة الإمكانيات مع الأهداف).
• مركزية القائد السياسي امتدت إلى آلية صنع القرار العسكري الاستراتيجي كونه قائدا عاما للقوات المسلحة وهو لا يمتلك المؤهلات الكافية لهذا المستوى الرفيع وغالبا ما يفصح أمام القادة والمخططين عن مسلك العمل الذي يرتأية للوصول للهدف المراد فيصعب على هؤلاء البحث عن البدائل الأنسب لأسباب إنسانية محظة كالخوف من سطوة القائد السياسي أو السعي لإرضائه وما يتبع ذلك من فوائد شخصيه محتملة والقليل جدا من يجازف بحكم الضرورات الوطنية.
• دورة السياسة والحرب شبه متعذرة بالنمط العراقي لعدم وضوح المدى الحقيقي للدور السياسي في قرار الحرب وإدارتها.
• التحديد والتقليص المستمر لصلاحيات القيادة العسكرية نزولا إلى صلاحيات القادة الميدانيين. (الخوف من التآمر السياسي).
• انهيار قيمة الردع للأسلحة العراقية ذات التدمير الشامل (استخدام الأسلحة الكيمياوية وبوسيلة إيصال الصواريخ / الطائرات) عندما أعلن الخصم انه سيستخدم السلاح النووي. إذا ما ثبت له استخدام السلاح الكمياوي من قبلنا.
• قصور عام في التثقيف الإستراتيجي للمستويات المسؤولة عن التخطيط للحرب أدى إلى قبول المجازفة بأدنى التحفظات وفهم خاطئ لعقل الخصم ومما زاد في ذلك افتقار القيادة العسكرية العليا إلى مراكز بحوث استراتيجيه تغذيها بالكثير من المعلومات والاستنتاجات الضرورية ومنها البدائل علاوة على تعطيل دور جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا في خدمة آلية التخطيط للحرب.
• كان السعي لتوظيف خبرتنا الكبيرة المحصلة من الحرب الطويلة مع إيران ضد عدو يختلف اختلافا جوهريا وضمن بيئة صراع ذات معايير تقنية عالية كاد يكون عقيما ولم يثمر ذلك السعي إلا في نتائج محدودة.
• إن القرار السياسي العراقي قد حرم نفسه من الفسحة الضرورية للمناورة على المستوى الاستراتيجي فبدوره حرم الاستراتيجية العسكرية العراقية من البحث عن بدائل معقولة بل جعلها في الاتجاه الخاطئ المؤدي إلى الهاوية.
• إن الاتصال بالقائد العام يشوبه الكثير من الصعوبات والمعوقات المعنوية والمادية حالت دون استيفاء العديد من المعضلات المناقشة الضرورية مما أدى إلى إصدار قرارات ذات نهايات سائبة أدت بدورها إلى ثغرات ميدانيه لصالح العدو. ناهيك عن بعض الملاحظات الشخصية للقائد العام حول بعض القضايا تمتاز بالكثير من القدسية غير المبررة وفقا لطبائع السلوك للمحيطين به يصعب على المخططين الفكاك منها.
• للفجوة الواسعة بالإمكانيات مابين الطرف العراقي والطرف المقابل في مجال جمع المعلومات الضرورية حرمت المخططين الاستراتيجيين و الميدانيين العراقيين من المعلومات الضرورية للتخطيط وعليه كان الاعتماد على الافتراضات لإملاء ساحة المجهول الواسعة.
• الافتقار إلى منظومة القيادة والسيطرة الحديثة للجانب العراقي. جعل من موضوع التعديل على الخطط شبه متعذرا وعلى سبيل المثال إن بعض الدروع الاميركية قد سارت فوق مقر ميداني عراقي يوم 27 /شباط/فبروري كان يعقد فيه اجتماع ميداني لتدارس موقف على ضوء أوامر ذات معطيات قديمة ونجوا هؤلاء من الأسر بأعجوبة.
• كان الأسوأ هو التقييم السياسي العام للحرب بعدم قبول الولايات المتحدة الاميركية فرضيه الحرب المباشرة على ضوء تجربتها الفاشلة في فيتنام وان ما يحدث (عمليات الحشود العسكرية يصب في موضوع (سياسة حافة الحرب) للضغط على القرار السياسي العراقي مع اعتماد ملاحظات مخطوئة من قبل بعض الوفود الدولية غير الرسمية التي زارت العراق خلال تطور الأزمة (بأن الحرب لن تقع والبديل هو الرضوخ الاميركي لإغراءات النفط العراقية الكويتية).

ملاحظه : مراجعة الملحق ( أ )



من مواضيعي :
الرد باقتباس