الموضوع: فجعت قلبي
عرض مشاركة مفردة
  #11  
قديم 23/12/2006, 11:29 PM
صورة لـ زهرة الخزامى
زهرة الخزامى
ودود
 
رد: فجعت قلبي

*********************

~ سلامي لهبة ~



الحلقة السابعة عشر



* * * * * * * * * * *






مريت على مرضاي بالمستشفى في الصباح ... كنت أطلع من غرفة و أدخل غرفة لين وصلت
عند غرفة هبه ...


وقفت أناظر في الباب ... و أتذكر وجه منال و هي تطردني منها ...


كان ودي أدخل أشوف الصغيرة و أسلم عليها ، بس ...


يا ترى ... أبوها اللي معها و إلا أمها ...؟؟


ليت الجدران كانت شفافة !





بعد ما خلصت ، جلست عند مقر الممرضات أسجل بعض المعلومات بالكمبيوتر ، و جا
الدكتور هيثم و صار يقرأ بعض التقارير اللي بإيده . سألته عن حالة هبه ، و قال
أنها مثل أول ، بين تحسن و انتكاس .



شوي ، إلا سلطان طالع من غرفة هبه ، و جاي صوبنا ... و تصادمت نظراتنا



بس طاحت عيني علي تكهرب جسمي و انطلقت دقات قلبي بدون فرامل ... !


بسرعة نزلت عيني على الأرض عشان تصطدم بها ... يمكن يكون حادث أهون ؟




سلطان سلم ، و بعدها سأل الدكتور هيثم عن آخر التقارير و نتائج الفحوصات لهبه
...



الدكتور هيثم عطاه بعض المعلومات المختصرة ، فشكره .. و رد رجع الغرفة ، و
عيوني معاه ...




سلطان ترك باب الغرفة مفتوح ، اللي يسمح لنا نشوف داخلها ... و يسمح له يشوف
براها



حاولت أركز نظري على شاشة الكمبيوتر اللي قدامي ، بس ... نظرات بدون فرامل ، وش
لون أتحكم فيها ؟؟





أنا جالسة هنا ، بس عقلي هناك ، مع سلطان داخل الغرفة ... أشوفه و هو يلاعب
بنته مرة ، يشيلها على ذراعينه مرة ، و يحطها على رجلينه مرة ... يحضنها مرة
... و يقبلها مرة ... يمسح على شعرها مرة ، و تمسح هي على شعره و تطوق عنقه
بذراعيها الصغار ... مرة أخرى ...





آه يا هبه ...

يا حظك !

يا ليتني أقدر أقترب منه مثلك ...

يا ليتني أتحول إلى هبه لو دقيقة وحدة ... !

كثير علي دقيقة وحدة بس ، أتحول فيها إلى شيء قريب قريب من قلب العسل ... ؟

آه يا العسل ...







انتبهت من شروذي على صوت الدكتور هيثم و هو يقول :


- متعلق ببنته كثير ذا الرجال !



التفت صوبه ، و عرفت أنه كان يراقبني و أنا أراقب سلطان و بنته ، و حسيت بخجل
...



- نعم ... الله يخليهم لبعض !


- و يخلي لك ولدك و يخليك له ، و لنا كلنا .




لحظتها دق المنبه براسي بقوة و خلاني أصحصح أكثر و أكثر ... الدكتور هيثم يقصد
شي من جملته ذي !

ما لف و لا دار ، يوم شافني طالعت به فجأة بتركيز ، قال مباشرة :


- فكرت ِمرة ثانية بموضوعنا ؟




هذا الفاضي على عمره بعد !

أي موضوع و أي تفكير ... و الله مو بداري بالدنيا و خاش عرض ! ودي أقول له كلمة
قوية تخليه ينسى انه طرح الموضوع أصلا !



أرد العسل عشان أتزوجك أنت ؟





لا شعوريا قفزت عيني صوب سلطان ، كأني أبي أقارن بينهم !


و تكهربت مرة ثانية يوم تفاجات بعيونه تطالع فيني و بحدّه !





رديت نزعت أنظاري من عينه غصب ... و جبتها لعند الدكتور هيثم ، و فتشت عن
الكلمة القوية بس ما لقيتها ...


سلطان ظل يطالعني !


أنا متأكدة أنه يطالعني ...


حتى و هو بعيد ، حاسة بنظراته جاية علي ... مثل الشمس ، تعشي عينك و تحرق جلدك
و تحس بحرارتها و هي أبعد ما يكون ....



- ما فيه نصيب ...



هذه أقوى كلمة حصلتها ذيك لحظة ... و أنا مرتبكة و حالتي حالة ، الدكتور هيثم
ابتسم و قال :


- اللي به خير الله يسويه ...





هو على باله إني مرتبكة بسببه هو ! و جملته توحي بأنه لسه ما قطع الرجاء !


رفعت عيني له أبي أقول له ( الموضوع منتهي خلاص ) ، بس قبل ما أتكلم وصلني صوت
نساني وش كنت أبي أقول !



سلطان جا لعندنا و هو يحمل هبه على كتفه ، و قال :



- دكتور هيثم أحس بنتي مسخنة ...



و تالي طالع فيني نظرة غريبة ... كأنها لوم ... كأنها تهديد ... كأنها تحدي !



طالع بهبة و قال لها :


- سلمي على قمره !


و رد طالع فيني ...


أنا فهمت قصده ... كأنه يبي يثبت أنه أقرب لي من الدكتور هيثم ... بس ... كيف
عرف أننا كنا نتكلم عن موضوع الزواج ؟؟



قمت من على الكرسي و جيت لعند هبه و مديت يدي أصافحها


- سلام هبه !




مدت هي يدها تصافحني ، و تالي أخذتها من أبوها لحضني ...


حضنتها بقوة ...


كأني أحضن آثار حضن العسل اللي ظلت على حضنها ...

و أشم ريحة العسل اللي علقت بملابسها ...

و أحس بدفء العسل اللي سخّن جلدها ...

و أستشعر ... حب العسل ... اللي مكوّر حواليها ....





آه يا هبه ...

تسمحي لي أسكن جسمك ... دقيقة وحدة بس ....؟؟؟





*
* *
*








أمي تغيرت كثير ...


صارت عصبية ... كل شي بصراخ ... و دوم منعزلة بغرفتها و لا ودها تكلم أحد...




و بعد ... كأنها تعبانة أو مريضة ... حتى صارت ما تهتم فيني مثل أول





جدتي كانت خايفة عليها كثير و كانت نظراتها لي ما تخلو من اللوم تحسسني بأني
السبب اللي خلــّـى أمي تتعب ...

عشان ... عارضت أنها تتزوج بو نواف ...



بو نواف ...



ما شفته بحياتي غير مرة وحدة ... بس صورته انطبعت ببالي ، و بعد فترة عرفت نواف
و التقيت به معي بنفس المدرسة ، يسبقني بسنة وحدة و كثير يقولون عنه مغرور و
شايف حاله !



و عرفت أنه ولد أبوه الوحيد ... و أبوه من أثرى و أرقى الشخصيات في البلد !

يا حظه ...

أبوه عاش ... و أبوي أنا ميت ...






*
* *
*





أخوي سلطان كان تعبان ... من يوم ما ردته قمر وهو حالته تسوء كل مرة أشوفه فيها
عن اللي قبلها ...

حتى و هو مع بنته ما أحسه يرتاح ...





و ياسر ... كان يقول لي :


- ( الرجال قاعد يضيع بين يدينا ! )





كلامه يخوفني كثير ... أخوي بالفعل ... كان منتهي ...

يعني لو قمر قبلت عرضه ... كان ممكن حالته تتحسن شوي ؟





كان وقت الزيارة و كنا بغرفة هبة و البنت اليوم تعبانة أكثر من أمس

جا الطبيب و عاينها و ما ارتاح لوضعها و أمر أنها تنقل لغرفة العناية المركزة

أخوي بس سمع كذا فزع ...





- البنت فيها شي جديد ؟


سأل أخوي الطبيب ، و رد عليه :



- وضعها متدهور نوعا ما و لازم أنقلها للعناية المركزة احتياطا ...






أخوي شال بنته على ذراعه و ضمها لصدره بقوة و ضعف في نفس الوقت ... بخوف و رجاء
... بأمل و يأس ... بحرقة و مرارة ...





كانت هبه نصف واعية و تئن ... و تتنفس بشكل مو طبيعي ...

انتكاسة شديدة ... و الله يعين ...





دقايق و كنا مع البنت في العناية المركزة ... عملوا لها تحاليل جت كلها محبطة
...

و قرر الطبيب يحطها على جهاز التنفس الإصطناعي ...







منال بدت تولول و تنحب ... و أنا ما أدري ... أواسيها و الا أنحب معها ؟؟


أخوي جلس عند هبة و مسك يدها و هي فاقدة الوعي ...


طلب منا الطبيب أنا نطلع عشان ما نربك المكان ... أخوي ما تحرك و احنا ظلينا
رايحين جايين على الغرفة ...





*
* *
*





اللي جابني المستشفى اليوم هو أني كنت أبي أقدم أوراق طلب أجازة

كنت تعبانة و ما فيني أشتغل ... و الصداع ملازمني طول الوقت و ضغطي مرتفع ...


قدمت الطلب و ظليت بمكتبي أخلص بعض شغلاتي ...

و على العصر مرتني سلمى و جلسنا نسولف شوي ...

قلت لها عن آخر التطورات اللي صارت ...

سمحت لنفسي ... بلا شعور ... أني أبكي في حضنها ... لحظة نسيت فيها كل شيء ...

و استسلمت لمشاعري بضعف ...





كم و كم من الأمور مرت ببالي ... لحظتها حسيت أنه براسي قنبلة شوي و تنفجر ....




سلمى ... بعد شوي غيرت الموضوع ... تبي تخلصني من الحالة اللي كنت فيها ... و
سألت :


- متى ماشية ؟

- الحين ... و انت ِ؟

- و الله عندي مريض تعبان كثير بالعناية المركزة و احتاج انعاش ثلاث مرات من
الصباح ... بامر عليه قبل ما أطلع ...




و في نفس اللحظة ، جاء النداء العام الحرج للعناية المركزة ...


- و هذه المرة الرابعة !


قالت سلمى و قامت بسرعة و قمت معها و رحنا على طول للعناية المركزة نشوف مريضها
المتدهور ....






أكوام من الممرضات و الأطباء متكدسة عند سرير واحد من المرضى ... انا كنت أطالع
صوبهم ، لكن سلمى
لفت صوب سرير ثاني ...




طالعت بسلمى و بالمريض اللي راحت صوبه ، و بعدها التفت مرة ثانية لكتلة
الممرضات و الأطباء ...

إيش شفت ... ؟؟

سلطان .... !!!




*
* *
*





كان عندي مريض بالعناية المركزة يحتضر ... حالته متدهورة و نتوقع موته في أي
لحظة ...


توقف قلبه ثلاث مرات في الصباح ... و في العصر ، لما كنت بمكتب قمر سمعنا
النداء الحرج و على طول جا ببالي أنه مريضي توقف قلبه مرة رابعة ...




جينا نسرع للعناية المركزة و أول ما دخلنا شفنا الممرضات و معهم طبيبين أو
ثلاثة متجمعين عند سرير مريض ثاني ... غير مريضي ...






رحت أنا لمريضي ألقي نظرة على آخر تسجيلات علاماته الحيوية و تحاليله قبل ما
أطلع البيت و أتركه في رعاية الطبيب المناوب ...






بصراحة ما التفت في البداية للمريض الثاني و كان معه أطباءه و الدنيا زحمة

بس التفت لقمر ... اللي وقفت هناك قرب السرير الثاني ...






سمعت صراخ و صراخ و صراخ ....




شي لفت انتباهي ... هذا صوت سلطان ! و هذا صوت شوق ...

جيت بسرعة لعند قمر ... كانت واقفة مثل التمثال ما يتحرك فيها الا عيونها ...




سلطان يصرخ :


- بسرعة يا دكتور ...



و الدكتور يصرخ :


- أطلعوا برى لو سمحتوا لا تربكونا


منال تصرخ من جهة ، و شوق تصرخ من جهة ...


- ( البنت ماتت لحقوا عليها )








فوضى ... ربكة ... تشوش ... زحمة ...

وضع تعودنا نشوفه بحكم عملنا بالمستشفى ... بس الصورة صايرة مشوشة أكثر ...
الدنيا ملخبطة فوق تحت ...




مسكت يد قمر ... بغيتها تمشي معي نطلع برى ... بس دون ما تطالع فيني سحبت يدها
و عينها معلقة على
( المشهد ) ... على كل حركة ...

على مؤشرات الأجهزة ... على سلطان ...







أربعين دقيقة مرت ... من الإنعاش المستمر ... و الأطباء يتناوبوا العملية ... و
العرق يتصبب منهم ...




الجو حار ... حار ... كل شي حار ... كل شي أحمر ... مثل عيون سلطان ومنال ... و
شوق و قمر ...

مثل الدم اللي لطخ أنبوب التنفس متفجر من رئة البنت المنكوبة ...






أربعين دقيقة ... هي مدة أكثر من كافية ... عشان يقرر الطبيب أنه يوقف الإنعاش
... و يسجل لحظة نزع الروح الأخيرة ... و موت الطفلة ...






رفع الفريق الطبي أياديهم عن المريضة ... اعلانا للنهاية ...


سلطان طالع بالطبيب و صرخ :


- ليش وقفت ؟


الطبيب هز راسه ...


شوق صرخت ...


- ...... لا ....








و صراخ بعد صراخ و اندوت الغرفة بصراخات الكل ...

هبة ماتت قدّام عيونا كلنا ... كنت أبي أطلع ... بس ما قدرت ...





سلطان ... رفع بنته لصدره و هو يصرخ :


- هبه ... ردي علي ...




ما قدرت أتحمل أشوف أكثر من كذا ... رحت لشوق و حضنتها بقوة

و هي تصرخ :


- هبة ماتت ؟ ما أصدق ...




الطبيب و الممرضات يحاولوا يهدوا الوضع ... يحاولوا يطلعونا برى


سلطان ... حاضن بنته عند قلبه و متمسك بها بقوة ... و منال تهز فيه


- خلني أشوفها ... ما ماتت ... هبة ردي علي ...






الضجة اللي صارت هالمرة و التفتنا كلنا صوبها كانت جاية من جهة قمر

قمر ... طاحت من طولها مغمى عليها ...




*
* *
*






تأخرت أمي في المستشفى ... كان براسي كلام ودي أقوله لها وكنت أنتظرها من ساعات
...

اتصلت عليها بالجوال بس الظاهر كانت مشغولة كثير او الجوال ما هو بمعها ...





لما جت الساعة 6 المغرب جيت أباطلع أشتغل في عشة الحمام شوي ... و شفت جدتي
جاية تسرع صوب الباب ...




- خير وش صاير ؟؟؟


سألتها بقلق ، و ردت بفزع و لهفة :



- أمك تعبت في المستشفى ... باروح لها





لما وصلنا ... كانت أمي على السرير فاقدة الوعي ، و كانوا على وشك أنهم ياخذوها
لغرفة الأشعة ...

كلمتها ما ردت علي ...





بسرعة اخذوها و ظليت مع جدتي و جدي و الدكتورة سلمى صديقتها بالغرفة ...


أنا حاولت أسأل الدكتورة إذا تعرف أي شي ، لكنها طلعت بسرعة و ما ادري وين راحت
...






بعد أقل من ساعة ... رجعت الممرضة بأمي على السرير و معها الدكتورة سلمى ... و
أمي بعدها فاقدة الوعي ...


سألت جدتي بفزع :


- وش فيها ؟





جاوبت الدكتورة سلمى و هي تهز راسها بمرارة :



- نزيف داخل الراس ....






*
* *
*






هذه المرة احتاجت قمر عملية مستعجلة ... في الرأس ...




طبعا أنا شلت يدي من الموضوع كطبيبة و ظليت معها كصديقة و وحدة من الأهل ...



كنت أتابع كل شي ... كل صغيرة و كبيرة ... أول بأول ...



الأشعة وضحت أنه كان عندها نزيف بسيط من أيام تخثر و ما أحد انتبه له

أما النزيف الجديد هذا ... كان ... شديد ...







نفس المكان اللي صابته نفس الحالة قبل 14 سنة ...








كانت بآخر الأيام تشتكي من صداع رهيب ... كيف ما فكرت أنه ممكن يكون شيء خطير
... ؟

انا ألوم نفسي أني ما انتبهت ...





بس كان ذاك من زمن ... و انتهى ... يا ليته كان انتهى ... يا ليت ...









قمر... بعد العملية المستعجلة ظلت بالمستشفى أيام ... فاقدة الوعي تماما ... و
أسابيع ... مشلولة عن الحركة ...







كنت أول ما أجي المستشفى أمر عليها ... و آخر الدوام أمر قبل ما أطلع ... و في
أوقات الزيارة ... كنت أحاول أتحاشى التواجد ... ما أقدر أشوف أهلها و أسمع
أسئلتهم ... ما أقدر ...






في البداية ... كان كل اللي يطلع منها أنات و تأوهات ... بعدين بدت تحرك
شفايفها و لسانها بصعوبة ...

و أول كلمة نطقت بها و هي لسة في حالة اللا وعي : ( عسل ) ...





مرة من المرات ... و أنا كنت عندها وعت شوي ... فتحت عينها و حركتهم يمين و
شمال ... مسكت بيدها و ناديت بلهفة :

- قمر ... تسمعيني ؟




ما جاوبت علي ... شديت على يدها أبيها تحس فيني ... كلمتها ... بكيت غصبا علي
... و أنا أردد



- تشجعي يا قمر ... ارجعي لنا ... أرجوك ...





كأني سمعتها تقول ( عسل ) ... طالعت بعينها ... أكيد قصدها تسأل عن سلطان ؟


سلطان ... ما أعرف أخباره ... بعد وفاة بنته الوحيدة ... ما أدري وش صار فيه
... يا ليته مات بدالها ...

يا ليته طايح بالفراش بدل قمر ...

يا ليته غرق من سنين بدل بسام ...




رديت ... و أنا بس أبي أشجعها و أشوف تتجاوب معي أو لا :



- سلطان ؟ سلطان بخير و يسأل عنك ...




أهي حقيقة أو تهيؤ ... مو متأكدة ... بس كأني شفت الراحة بعينها ... غمضت ثواني
و ردت فتحت تطالع فيني ...

كأنها تقول ( طمنتيني )... بعدها غمضت مرة ثانية ...





*
* *
*




ماتت بنت أخوي .. الوحيدة .... المدللة الدلوعة ... بهجة قلوبنا كلنا ... نشوة
البيت و العيلة كلها ...

ماتت ... و ما تركت بعدها الا سواد في سواد




شهرين مروا من يوم وفاتها ... و صورتها الأخيرة ... و هي جثة بلا روح ... بحضن
أبوها و هو يصرخ
( ردي علي ) ... صورة للحظة ذي ... و لآخر لحظة بعمري ... ما نسيتها و لا
بانساها ....





أتذكرها كأنها صارت البارح ... قبل شوي ... قاعدة تصير قدامي الحين ...




و أتذكر ... قبل سنة ... لما كنت أشاهد أروع صورة ... لأخوي و بنته ... و احنا
بمكتبه بالشركة ...

و هو شايلنها على ذراعه و حاضننها ...و هي تضحك بمرح و حيوية ... و النافذة
مفتوحة من وراهم ...

و البدر مكتمل ... و النسيم يلعب في شعر البنت الحريري ...





يومها أتذكر أني تمنيت لو كانت عندي كاميرا أصور بها هذه الروعة ...

ما كنت أدري ... أنها بتظل ببالي كآخر و أروع صورة لهم ... محفورة و محفوظة دون
الحاجة لأي كاميرا ....

معلقة بالضبط .. جنب صورتها و هي ميتة بحضن أبوها ... في المشهد الأخير ...




ياليت ربي ... أعماني قبل ذاك اليوم ...




شهرين ... و أحنا كلنا نموت كل يوم و كل لحظة .... بعد هبة ... حلت علينا
الغيمة السوداء المظلمة ...

اللي ما قدرت أي رياح و أعاصير .... تبعدها عنا لوقت طويل ....




بعد هالشهرين ... توني بس ... قررت أطلع من البيت ... و كان أول مشوار بغيته
... هو المستشفى ...

قمر ...




*
* *
*



أمي تحسنت تحسن بسيط ... الحين صارت واعية بس ما تتكلم و لا تتحرك ... لا جيت
عندها تبتسم لي ...


أنا أدعو ربي كل ساعة أنها تقوم بالسلامة و تتعافى و ترجع لي ... أنا ما لي
بالدنيا غيرها ...

حتى لو بتتزوج مو مهم ... بس خلها ترد زي أول و أي شي ثاني مو مهم ...





اليوم شكلها أحسن ... كنت جالس جنبها على السرير و حاط راسي بحضنها و إيدي
بإيدها ... كأني أحس بإيدها تحاول تشد على إيدي ... بس ما تقدر ...



الطبيب يقول أنها رح تتحسن بس ببطء ...



سمعت طرقات على الباب و بعدها انفتح و دخلت وحدة ... الظاهر أنها من صديقات أمي
جاية تزورها ...



أمي طالعت بالزايرة و كأنها تفاجأت ...



- السلام عليكم



قالت الزايرة ، رديت السلام و أنا أعدل من جلستي على سرير أمي ...



طالعت المرة فيني و قالت :




- أنت بدر ... ؟

- نعم




و بعدين جت قربت من أمي و مدت يدها لها ... طبعا أمي ما حركت يدها ... و جت
الزايرة و مسكت يد أمي تصافحها و قبلت جبينها ...



- كيف حالك يا قمر ؟ إن شاء الله أفضل الحين ؟


أنا رديت :


- الحمد لله . هي أحسن .



أمي كانت تطالع بالزايرة بنظرة غريبة ... ما فهمتها ... كأنها تبي تقول لها شي
؟



- حمد الله على السلامة يا قمر ... جيت متأخرة لكن ... تعرفي الظروف ...




تعابير وجه أمي تغيرت ... ما أدري وش بغت تقول ؟



سألتني الزايرة كم سؤال ... تطمن فيه على أحوال أمي و أهلي ...


و بعدها قالت كم كلمة تشجيع و دعاء بالشفاء لأمي ... و صافحتها مرة ثانية ... و
راحت تطلع ...


أمي ظلت تشيعها بنظراتها كأنها تبيها ترجع ... ناديت أمي أبي أسألها تبي شي ؟



أمي فجأة نطقت :


- سلطان




الزايرة وقفت و التفتت صوب أمي على طول ...


طالعت بأمي ... و شفت بريق الدموع بعينها ... و قالت :


- بخير ... الحمد لله ...


و هزت راسها تأكد كلامها ... و بعدها طلعت من الغرفة ...


أنا بقيت أناظر في أمي ... مندهش ... و ما عندي تعليق مناسب ...


عين أمي ملأتها الدموع ... رحت أمسح فيها و أنا أكرر



- يمه أرجوك لا تبكي ...



أكررها و أنا اللي كنت أبكي على أمي ...


و أحس أنني أنا ... نعم أنا السبب ... في أن أمي مرضت لذي الدرجة ...




*
* *
*



رحت بيت أخوي ...

أخوي جالس بغرفة مكتبه ... على الكنبة ... سرحان ... يفكر و يفكر...

لا يكلم أحد ... و لا يحس بوجود أحد ... و لا يطلع من الغرفة من دخلها بعد فقد
هبة ... يرحمها الله ...





بيت أخوي هو المكان الوحيد اللي كنت أزوره خلال الشهرين اللي مروا ... و قليل
الي كنت أجي ...

كيف أقدر أتحمل أشوف أخوي يموت قدام عيوني ... ؟

ما يكفي هبة ؟






اليوم مريت عليه بعد ما زرت قمر بالمستشفى أخبارها كانت توصلني من بعض زميلاتي
بين فترة و فترة ...


أنا ما كنت حسيت بوجودها ذاك اليوم ... كان بالي مشغول مع هبة و هبة و بس ...
انتبهت لها بس بعد ما طاحت مغشية على الأرض ... و لا أدري وش صار لها قبل و لا
بعد ...




دخلت غرفة مكتب أخوي ... سلمت ... و رد السلام بملل ...



- كيفك اليوم ؟



ما رد علي ... ليش أسأل و أنا شايفة بنفسي ... ؟

ما فيه أي شي ... بالدنيا يمكن يثير اهتمامه أو انتباهه ...

حتى نواف لا جا يكلمه يبعده عنه ... ما يبي يشوف أي أحد أو يكلم أي أحد أو يسوي
أي شي ...




- سلطان ...



بغيته يلتفت لي بس كالعاده ظل ساهي عني مو هام لي خبر ... و لا معبر وجودي أصلا
...



- سلطان أخوي ... بغيت أقول لك شي ...


ما تحرك ...

واصلت ...




- لمجرد إني أقوله لك ...


و أنا ببالي ... يمكن ... يمكن هالجملة تغير شي ؟؟ خلني أجرب ...



- قمر تسأل عنك ...



قلتها و دققت النظر ... أبي أشوف إذا فيه أي تأثير ... أي استجابة ... ؟


أخوي ظل مثل التمثال ... ما اهتز ...



- قلت لها أنك بخير ...



واضح ... أن الموضوع و لا أثر و لا على عصب حسي واحد منه ...



استسلمت ... و تراجعت ... أباطلع ... ما فيه فايدة ... أخوي انتهى ... ما أبي
أشوفه كذا ... لازم أطلع ...



قبل ما أمشي ... قلت له :



- إذا بغيت ... تزورها معي بالمستشفى ... تقول لها حمد الله على السلامة ...
أظنها بتفرح كثير ...





طلعت عن غرفة أخوي و هو واقف مثل أي عمود أو أي كنبة بالغرفة ...



و الساعة أربع الفجر ... صحيت من النوم علة رنة جوالي اللي كنت ناسيته مشغل ...

كان أخوي سلطان متصل و مصر ما يقطع ... خفت و تلخبطت دقات قلبي ..




عطيت الهاتف لياسر و قلت له بخوف :


- رد ! أخوي ما أدري وش فيه ؟؟؟


أخذ ياسر الجوال و رد ...




*
* *
*




نايم بعز النوم ... و باقي على أذان الفجر ساعة و شوي ... صحتني شوق بقلق و فزع
خوفتني ...



- ياسر ... رد على الهاتف بسرعة ....


طالعت فيها أبي أتأكد ما هو بحلم ؟


بس صوت الجوال كان يرن بالغرفة و بآذاني ...



- خير ؟

- أقول لك رد بسرعة ؟



أخذت الجوال منها و أنا بين الصاحي و النايم ...



- ألو ؟ نعم ؟



ما جاني جواب بالأول ، و بعدها جاني صوت سلطان مبحوح :



- وين شوق ؟

- سلطان ؟ خير ؟ فيه شي ؟

- شوق صاحية ؟ أبي أكلمها




رديت الجوال لشوق و هي رافضة تاخذه ... حاسة أن فيه مصيبة ما تبي تسمعها ...




- يالله شوق خلنا نشوف شالسالفة ؟



شوق كلمت أخوها و هذا اللي سمعته :



- ( سلطان ؟ خير أخوي ؟ )

- ( من ؟ )

- ( ... ن نعم ... )

- ( تعبانة ... كانت حالتها بالمرة متدهورة بس... بس تحسنت )

- ( نعم سلطان ... أنا زرتها العصر بنفسي ... )





أنا يمكن كنت نايم ... مو متأكد ... بعد ما خلصت المكالمة الطارئة سألت شوق :


- خير ؟



شوق انفجرت تبكي ... قلت أكيد صار لهم شي جديد ؟


- سلطان وش به ؟ نواف بخير ؟ أم نواف بخير ؟؟





انهارت شوق على الوسادة ... و بكت بحرارة و هي تقول :



- يسأل عن قمر ! توه مستوعب أنها بالمستشفى !





طالعت بالساعة أتأكد من الوقت ....


أربع الفجر ... !


سلطان ... عليه العوض .... و منه العوض ... !

************************



من مواضيعي :