عرض مشاركة مفردة
  #1  
قديم 12/08/2006, 09:25 PM
متوكل طه محمد احمد
مُشــارك
 
ولكن أن نحلم أحلاما صغيرة فهذا يعني أن نعيش وأن نبدع حياتنا،

الآن بعد العشاء، قبع كل من في مجموعتنا في جزيرته الخاصة، وفي أقصى المسافة تحصنت بابتسامة. كمن يرقب شاشة التلفزيون أو يقرأ بغير تركيز كنت أرى الأشخاص متناثرين كالجمل غير المترابطة.

وإذا بصديقي الذي كان يجلس بجواري يقطع علي تأملاتي، وهو يقول:

"أترين هذا الرجل الجالس وحده هناك، منذ وقت طويل، ولم ينطق حرفا واحدا، ألا تعتقدين أنه صامت أكثر مما ينبغي؟"

مسحت المكان بعيني بسرعة، وحين انتبهت إلى اتجاه إشارته أجبته بحدة: "نعم لاحظت ذلك، من الجائز أنه ليس لديه ما يقوله، أقصد ليس لديه شيء مهم ليقوله"، رد على برفق: "ألا تدرين أن للغة وظيفة أخرى غير قول الأشياء المهمة والخطيرة"؟!.

رنة سخرية في صوته لم تعجبني، ولكنه أكمل حديثه بنبرة هادئة محاولا أن يزيل أي التباس: "الصمت محاولة للتخفي، وما أعرفه أنه في البدء كانت اللغة وسيلة للتواصل بين البشر، وقديما في العصور السحيقة إذا كان هناك اجتماع لأفراد القبيلة وظل أحدهم صامتا كان مجلس القبيلة يحكم عليه بالموت".

اندهشت ولكنني كنت مصممة على لهجتي الدفاعية، قلت: "ألا ترى أن لكل منا همه الخاص، حلمه الخاص، ولكم هو صعب جدا في عصر متسارع الإيقاع كعصرنا هذا أن يفصح المرء عن أحلامه للآخرين".

"آه.. الأحلام"، استضاءت عيناه وكأنه عثر على مفتاح الحديث "هذا هو، لكل منا أحلامه الصغيرة، فالأحلام هي لغة الوصل بين عالم الواقع وعالم الخيال، أتدرين.. ليس مهما أن نحلم بعمل عظيم أو إنجاز ضخم، ولكن أن نحلم أحلاما صغيرة فهذا يعني أن نعيش وأن نبدع حياتنا، وأقصد تلك الحياة اليومية البسيطة.

فأنا مثلا أحلم بأن أكون أبا عطوفا، وأخا حميما، أن أكون صديقا حقيقيا لكل الجالسين هنا في هذا المكان، حتى لصديقنا الصامت الجالس هناك، أنا لست فضوليا، ولكن من حقي أن أحلم".

لم أعلق، ولكني تذكرت حكاية صغيرة لا أعرف أين أو متى قرأتها، ولا أعرف لماذا تذكرتها الآن وهي عن ساعي بريد، عندما سألوه عن سبب بنائه لقلعة مصغرة في فترة ثلاثين سنة بحجارة كان يحملها في جيبه خلال توزيعه الرسائل البريدية، أجاب: "عندما يكون على الإنسان أن يمضي ثلاثين سنة في الطريق نفسها فلن يكون لديه سبيل إلى إنقاذ نفسه من الرتابة والصمت إلا بإبداع شيء حلم به".

وقتها هممت أن أفتح فمي لأقص عليه حلما ما ظل يراودني لأكثر من ثلاثين سنة، ولم أقصه على أحد، وحينذاك سمعت ضجة، حيث وقف الصحاب عند الباب وحان وقت الانصراف.




من مواضيعي :